المشرف العام
الداعية الصغير
من محاسن الأخلاق الإسلامية : العدل
 
تمت الإضافة بتاريخ : 10/10/2017م
الموافق : 20/01/1439 هـ

من محاسن الأخلاق الإسلامية : العدل

د. أحمد الخاني

العدل: خلاف الجور، وعدّلت الشاهد: نسبته إلى العدالة ووصفته بها، ويجمع على عدول.

والعدالة صفة توجب مراعاتها الاحتراز عما يخل بالمروءة[1].

و(العدل: ضد الجور وما قام في النفوس أنه مستقيم عدل يعدل فهو عادل وعدَّل الحكم تعديلاً: أقامه، والميزان: سواه)[2].

وقد قرن الله سبحانه وتعالى إقامة العدل بالإحسان، والإحسان هو أعلى المراتب الإيمانية كما في حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يبدو عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسند يديه إلى ركبتيه وقال: يا محمد: أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت، فعجبنا له؛ يسأله ويصدقه.

قال فما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، قال صدقت.

قال: فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. قال: صدقت).

نعم، لقد قرن الله سبحانه وتعالى العدل بالإحسان بقوله تعالى: ? إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ? [النحل: 90].

وفي القرآن تسعة وعشرون موضعاً وردت فيه كلمة (العدل)، تحض على التمسك بهذه الفضيلة.

وقال صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله ورجل تعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين".

وللعدل مجالات كثيرة:

1- العدل مع الله تعالى ألا يشرك معه أحد في المعتقد.

2- العدل في المعاملات

3- العدل في الأقوال.

 (قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتصلح بصلاح الولي وتفسد بفساده. وقيل: لما ولي عمر بن عبد العزيز، أخذ في رد المظالم فابتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها أن تكلمه فقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلك طريقاً فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله، فما قضي الأمر إلى معاوية جره يميناً وشمالاً، وايم الله لئن مد في عمري لأردنه إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله وأصحابه، فقالت له: يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوماً عصيباً، فقال: كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا أمَّنَنيه الله)[3].

ومن أظهر مظاهر العدل:

عدل الإمام في رعيته، وذلك يوجب محبته وطاعته واتبع أمره واجتناب نواهيه، أما الظلم فهو نقيض العدل وضده وهو ظلمات في الدنيا وهو سبب لفساد العمران.

لقد عقد ابن خلدون فصلاً في مقدمته تحت عنوان: الظلم مؤذن بفساد العمران. بين فيه أنه إذا شاع الظلم، فسدت النيات والمعاملات فالمظلوم يحقد على الظالم وينتهز الفرص لرد المظلمة، والحاكم لا يستقيم سلطانه، لفساد بطانته بالظلم الذي يجرونه على الرعية بسبب وقوف السلطان إلى جانبهم، فتختل الأمور وتنشق الجماعات وتكثر الشكاوى، ومن ثم يكون الخروج على السلطان، فتسقط ممالك وتقوم أخرى مكانها ويضطرب حبل الأمن ويكثر الغلاء وتنقطع السابلة ويكثر قطاع الطرق ويسطو اللصوص على البيوت، وتكثر السرقات والجنايات، وتهدم بيوت، وتكثر الحرائق، وتسفك الدماء، وتهتك الأعراض، ويضعف الأمن، وتصبح البلاد مستهدفة من قِبل الأعداء، لضعف الجند الذين يدافعون عنها لتفرق كلمتهم وتفرق شملهم، فئة مع السلطان الجائر، وفئة ضده لإقامة اعوجاجه، وفئة استأثرت بالأموال بأمر السلطان أو تحت رعايته وحمايته، لقربها منه إما بالنسب وإما بالولاء، وفئة تترصد وتدير معالم التفكير والتدبير لتعرف سبيل الخلاص مما هم فيه من الظلم.

وأظهر مثال على ذلك دولة العبيديين، الذين سموا أنفسهم زوراً وبهتاناً العبيديون أسرة حكمت في التاريخ أكثر من مئتي عام (297 - 567 هـ- 909 - 1171 م) نشأت في شمال أفريقيا، وامتد حكمها إلى مصر وبعض بلاد الشام، وتنتسب إلى مؤسسها أبي عبيد الله الشيعي.

يقول ابن كثير رحمه الله في موسوعته التاريخية العظيمة (البداية والنهاية) ما يلي:

"أبو عبدالله الشيعي الذي أقام الدعوة للمهدي وهو عبيدالله بن ميمون الذي يزعم أنه فاطمي، وقد زعم غير واحد من أهل التاريخ أنه كان يهودياً، صباغاً بسلمية" [4]

وقد ضرب العبيديون اقتصاد مصر حتى بيع الرغيف بمئة دينار. ثم سقطت الدولة العبيدية، وذلك لأنهم كانوا يعتمدون على اليهود، وقد كتب أحدهم إلى الحاكم العزيز: (بالذي أعز اليهود بميشا، وأعز النصارى بعيسى وأذل المسلمين بك أن تنصفني)[5].

ولا غرابة أن العزيز العبيدي بلغ من حبه الوزير يعقوب ابن كلس اليهودي، أن ترك له أمر الدعوة إلى المذهب الشيعي، ورتب لهم الرواتب والأرزاق وأنشأ لهم دوراً للسكن، وبنى لهم جامع الأزهر لتضليل الناس بأنهم ينسبون إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قلبت النية على الشيعة الروافض فتحول الأزهر إلى منارة من منارات الإسلام لأهل السنة والجماعة.

وفي مسيرة هذه الدولة من الظلم ما يخيف. يقول ابن هانئ الأندلسي مادحاً الخليفة المعز العبيدي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهار!!

فلم ينكر الخليفة هذا الكلام، بل أعطاه الكثير من المال فوجد هذا الشاعر مذبوحاً، وقد ألقيت جثته إلى الكلاب.

يقول ابن كثير عن المعز العبيدي:

 (يدعي ظاهر الرفض ويبطن الكفر المحض، وقد أُحضر الزاهد العابد التقي أبا بكر النابلسي، فأوقف بين يديه فقال له المعز: بلغني أنك قلت: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم بسهم ورميت المعزيين بتسعة أسهم. فقال: ما قلت هذا، فظن المعز أن أبا بكر النابلسي قد رجع عن قوله قال: فكيف قلت؟ قال: قلت: ينبغي أن أرميكم بتسعة ثم أرميكم بالعاشر. قال: ولِمَ؟ قال: لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية. فأمر بسلخه وهو حي، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن. قال اليهودي: فأخذتني رأفة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه، طعنته بالسكين فمات. فقيل له: الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس اليوم.

قال صلى الله عليه وسلم: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله) قال ابن الجوزي: ثم عنَّ للمعزأن يدعي الألوهية فصار قوم من الجهال إذا رأوه يقولون: يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت.

وفي عهد المستنصر أبي تميم، كان الوزراء من اليهود ومنهم أبو سعيد التستري، وقد أكثر التستري اليهودي الوزير من تعيين اليهود في مناصب الدولة، مما أثار كره المسلمين له، يظهر ذلك في قول الشاعر المعاصر لهم:

يهود هذا الزمان قد بلغوا

غاية آمالهم وقد ملكوا

العز فيهم والمال عندهمُ

ومنهم المستشار والملك

يا أهل مصر إني نصحت لكم

تهودوا، قد تهود الفلك

وقد اغتيل التستري بتحريض من الوزير الفلاحي، لذا غضبت أم الخليفة لمقتل التستري فأمرت بقتل الفلاحي.

ثم جاء صلاح الدين الأيوبي فقوض فسطاط الدولة العبيدية واستأصل شأفة الشيعة من مصر يرحمه الله تعالى.

والعدل له مظاهر غير عدل الإمام، من مظاهره العدل في الحكم، والعدل بين الأبناء، والعدل بين الزوجات، والعدل في معاملة الضيف أو الضيوف فلا يقدم ضيفاً على آخر إنما يكون الإكرام وفق السنة الشريفة.

ومن ثمرات العدل:

المحبة الوئام والانسجام وروح التسامح والتفاني والتضحية والاستقرار النفسي، وراحة الضمير.

قال إياس الذكي: ما ناظرت أحداً بكل عقلي إلا الدهريين قلت لأحدهم: ما الظلم؟ قال: أن تتصرف في ملك غيرك. قلت: فإن لله كل شيء. فسكت.

فمن أقام العدل نفى عنه الظلم، وما انتشر الظلم إلا بضعف العدل.

والشرك بالله تعالى أكبر الظلم، لأن المشرك يساوي مع الله تعالى غيره.

فعلى المسلم أن يقيم العدل في نفسه حتى يعم في أرضه.

فالظلم مرتعه وخيم، فهو يهدم الحياة، ولك أن تعرف لمَ تقوم الشعوب بالثورات ضد الحاكم الظالم، ولك أن تعرف أيضاً أسباب الأمن والأمان.

___________________

المصدر: كتاب "الأخلاق الإسلامية وأهميتها للحياة الإنسانية"

[1] المصباح المنير للفيومي مادة عَدَل.

[2] القاموس المحيط مادة عدل.

[3] الأخلاق في الإسلام ص 148.

[4] البداية والنهاية لابن كثير بتحقيق د. عبدالله التركي.

[5] أوراق ذابلة من حضارتنا. عبدالحليم عويس.

         أضف تعليق