المشرف العام
التنمية الذاتية
من أسرار النجاح
 
تمت الإضافة بتاريخ : 25/09/2017م
الموافق : 5/01/1439 هـ

من أسرار النجاح

طه محمد الساكت

 أيها التلاميذ النجباء، والإخوان الكرام:

أُحيِّيكم تحيةً صادقة، وأشكر الله سبحانه وتعالى أن أتاح لي هذه الفرصة المباركة للتحدُّث إليكم في شؤون من الأخلاق، ونواحٍ من الاجتماع، ولا يفوتني أن أُقدِّم لسعادة الناظر ولحضرات المدرسين جزيلَ الشكر والثناء؛ أنْ رحَّبوا بهذه الفكرة ومهدوا لها السبيل، وإذا شكرت لحضراتهم هذه المكرُمة، فإني أشكركم أيضًا على إجابة داعي الفضيلة، واستماعكم للحديث في مكارم الأخلاق، ولا تعجبوا إذا شكرت لكم حسن الاستماع، واستجابة الدعوة؛ فإننا في زمن طغت فيه المادة على الروح، وبغَت فيه الرذيلة على الفضيلة، حتى صار فيه الفساد مألوفًا، وأضحى المنكر معروفًا، وكأن أبا الطيب المتنبي - وهو من شعراء القرن الرابع الهجري - يعني هذا الزمن ويستشف الغيب[2] من وراء حجاب إذ يقول:

إنَّا لفي زمنٍ تركُ القبيحِ بهِ ??? مِن أكثرِ الناسِ إحسانٌ وإِجمالُ

وبعد:

فموضوع محاضرتنا اليوم (سر النجاح)، وهو موضوع - كما ترون - من الأهمية بمكان عظيم؛ ذلك لأنكم رجال العمل، وإخوانُ الجدِّ والنشاط، على كواهلِكم تُبنى سعادة الأمة، وتَحْظى بمكانها اللائق بين الأمم، فنجاحكم هو نجاحها، وفوزكم هو فوزها، وعزُّكم هو عزها المبين وحظها الجميل.

إذًا حُق لكم أن تتساءلوا: ما هو السبيل إلى نجاحنا، الذي هو أقصى أمنتينا، ومنتهى غايتنا؟

وأُقدِّم لكم بين يدي الجواب عن هذا السؤال مُثلًا شاهدتموها، وحقائقَ لمستموها؛ حتى تقع الإجابة إن شاء الله موقعَها من الصواب.

كثيرًا ما شاهدتم أن فلانًا أسَّس مصنعًا عظيمًا استوفى فيه شرائطه، وجمع له أدواته ولوازمه، حتى حاز عند الجمهور الرضا والإقبال، ولكن ما كان أعظَمَ دهشتَكم وأشدَّ حيرتَكم حينما رأيتم أن الرضا قد تحوَّل سخطًا، وأن الإقبال قد انقلب فرارًا وهربًا!

وكثيرًا ما أبصرتُم أن فلانًا افتتح متجرًا كبيرًا، هيَّأه أحسن هيئة، وجمَّله بأجمل بضاعة، وما هي إلا أشهر قلائل حتى أعلن الإفلاس، وأضحى موضع زراية وسخرية من جميع الناس.

وكثيرًا ما علمتم أن طائفة نادَتْ بأعمال تعاونية، وأخرى دعت إلى مشروعات خيرية، وثالثة ورابعة نهضوا إلى الإصلاح، ووثبوا إلى بناء المجد والفلاح، فما هي إلا عشيَّة أو ضحاها حتى تبدلت الحال، وخابت الآمال، وكأنها كانت صيحةً في وادٍ، أو نفخة في رماد، سبحانك ربي سبحانك، لا مفر من قضائك، ولا دافع لبلائك غير أنك جعلت لكل شيء سببًا، وربطت بين الأسباب ومسبباتها، والوسائل وغاياتها، فما سبب هذا الفشل، وما خيبة هذا الأمل؟

أيها الإخوان الكرام:

إنكم إذا أنعمتم النظر، وأَجَلْتم الفكر، ألفَيْتُم أن سبب الخيبة والخسران، والفشل والحرمان: سوء الأخلاق، والشِّقاق والنفاق، وخبث النية، وفساد الطوية، ? وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ? [الملك: 13]، ألفيتم أن السبب ضعف الهمم، وضياع الذمم، وسوء السيرة، وظلام البصيرة، ألفيتم السبب فقدان الثقة، والثقة أغلى جوهرة وأثمن ثروة، فإذا ضاعت ثقة الجمهور بفردٍ فقُلْ عليه العفاء.

ألفيتم السبب استمراء الكسل، واستيلاء الملل، ونفوذ اليأس والقنوط، وعدم التذرع بالصبر، والصبر يفتح مغلق الأبواب، ويحطم العقبات الصعاب.

أخلِقْ بذي الصبرِ أن يحظى بحاجتِه ??? ومُدْمِنِ القرعِ للأبوابِ أن يَلِجَا

ولعلكم الآن اهتديتم، أو كدتم تهتدون إلى الإجابة عن السؤال: ما هو سر النجاح؟

إنني الآن أعبِّر عما يجولُ في نفوسكم؛ إذ أقول:

إن سر النجاح، ودليل الفوز والفلاح، هو مكارم الأخلاق، هو التخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل، هو العزيمة الماضية، والثقة الغالية، والحكمة الهادية.

فالأخلاق القويمة، والمواهب العالية - لا سيما هذه المواهب الثلاث (مضاء العزيمة، وتمام الثقة، وانتهاج الحكمة) - هي وسائل النجاح والفوز، وسبب الظفر والعز، ومِن أجل هذا عصَم الله جميع أنبيائه ورسلِه صلوات الله وسلامه عليهم من جميع الرذائل، وكمَّلهم بجميع الفضائل، واصطفاهم على العالمين؛ لأنهم قائمون بأعظم مهمة وأجلِّ وظيفة، وهي إخراج العالَم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاء الأبدي إلى السعادة السرمديَّة.

وإذا عرَضنا لهذه الأمور الثلاثة (مضاء العزيمة، والثقة، والحكمة)، وقلنا: إنها أهم قواعد النجاح وأركان الفلاح، كان حقًّا علينا أن نبين كلًّا منها بيانًا موجزًا:

1- أما مضاء العزيمة - وإن شئتم فقولوا: قوة الإرادة - فهي الإقدام على العمل النافع، والإحجام عن العمل الضار، من غير تردُّد، ولا فتور، ولا وهن، ولا كلل.

فالذي يَشرَع في عمل محمودٍ، ثم يكف قبل الانتهاء منه بدون سبب معقول، لا يوصف بقوة الإرادة، بل بخَور العزيمة وانحطاط الهمة، وكذلك الذي يطيع شهوته ويركن إلى هواه، أو الذي يكف عن العمل السيئ، ثم يرجع إليه جبان النفس، فاتر الهمة، ضعيف الإرادة.

أما قوي الإرادة، ماضي العزيمة، فهو الصابر المصابر، العامل المثابر، الذي لا يتأثر بالمغريات مهما تزينت، ولا بالصعاب مهما تغلبت.

هو الذي يُفكِّر ويستشير، فإذا ما أيقن الصواب، واقتنع بنفع العمل، مضى لإتمامه قُدْمًا[3]، لا يلوي على شيء، وأخضع هواه وشهواته لسلطان رغبته الصادقة، وأمنيته المنشودة.

مضى في سبيله المستقيم، ولسان حاله يترنَّم بقول الشاعر الحكيم:

على كلِّ حال فاجعَلِ الحزمَ عدةً

لِمَا أنت باغيهِ وعونًا على الدهرِ

فإن نِلْتَ أمرًا نِلْتَهُ عن عزيمةٍ

وإنْ قصَرَتْ عنك الحظوظُ، فعَنْ عُذرِ

 ويقول الشاعر المفْلِق بشار بن برد:

وخلِّ الهُوَيْنَى للضَّعيفِ ولا تَكُنْ ??? نَؤومًا فإن الحرَّ ليس بنائمِ

وقوة الإرادة ومضاء العزيمة أولُ صفةٍ حلَّى بها الله أنبياءه ورسله الكرام، عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام.

ولقد أوذي رسلُ الله في سبيل الله، وقُتل منهم كثير، فما ضعُفت لهم عزيمة، وما وهَنَتْ لهم همة، وما ازدادوا مع شدة الإيذاء إلا صبرًا، ومع غاية السفاهة إلا حلمًا، ? وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ [4] كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ? [آل عمران: 146].

هذا نوح عليه السلام، الأب الثاني للبشر، لبِث في قومه يدعوهم إلى الله تعالى ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ? وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ? [العنكبوت: 14].

وهذا إبراهيم عليه السلام خليل الله، ومحبوب الأمم جميعًا: دعا أباه وقومَه إلى ترك الأصنام التي لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع، ودعاهم إلى عبادة الله الواحد القهار، فاضطهدوه وآذَوه حتى ألقَوه في نارٍ امتد لهيبها إلى السماء، فما نالوا من عزيمته، وما فلُّوا من همته.

وهذا يعقوب عليه السلام يُوصي بَنيه بالدأب والبحث عن يوسف وأخيه، وينهاهم عن القنوط والملل، فيقول: ? يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ? [يوسف: 87].

وهذا محمد صلوات الله وسلامه عليه، تؤذيه قريش إيذاءً بليغًا، ثم يذهبون إلى عمه أبي طالب، فيكلِّمونه غير مرة فيه، حتى يقول: يا بن أخي، إن القوم قد جاؤوني مرارًا، فأبقِ على نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أطيق، فيقول في ثبات وحزمٍ مقالتَه البليغة، وحكمته الخالدة: ((والله يا عم، لو وضَعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر - يعني دين الله والدعوة إليه - ما تركتُه حتى يُظهِره الله أو أَهلِكَ دونه)).

__________________

[1] أصول محاضرتين ألقيتا في مدرسة محمد علي الصناعية بالشاطبي الإسكندرية.

[2] استشف الشيء: نظره من ورائه.

[3] قُدْمًا - بوزن شُكْر -: مصدر قدَم، من باب نصَر: تقدَّم: الشجاع، وتسكن الدال أيضًا.

[4] ربانيون: علماء أتقياء، أو عابدون لربهم، أو جموع؛ بيضاوي.

         أضف تعليق