المشرف العام
الداعية الصغير
السماحة في التعامل
 
تمت الإضافة بتاريخ : 23/07/2017م
الموافق : 29/10/1438 هـ

السماحة في التعامل

د. طه فارس

السماحةُ في أصل اللغة تدلُّ على السهولة والسلاسة، والسَّمْح من الرجال: الجوَاد[1]، والسماحة: هي بذلُ ما لا يجبُ تفضلًا[2]، وتركُ المشاحَّة والحضُّ على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم[3].

وهي من شُعب الإيمان؛ فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله، أي الإيمان أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((الصبر والسماحة))[4].

وهي مِن معالي الأخلاق وجميل القِيَم التي يحبُّها الله، ويرضى عن المتحلِّي بها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحب سَمْح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء))[5].

وعن محمد بن المنكدر أنه كان يقول: "أحبَّ اللهُ عبدًا سَمْحًا إن باع، سَمْحًا إن ابتاع، سمحًا إن قضى، سمحا إن اقتضى))[6].

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لِمَن تحلَّى بالسماحة في بيعِه وشرائه وقضائه واقتضائه، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رحِم اللهُ رجلًا سَمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))[7].

ومقتضى السماحة في البيع أن يتجنَّب التطفيف في الكيل والمِيزان، وأن يوفِّيَ صاحب الحقِّ حقَّه بالعدل، بل يرجِّح له فيما يستحقه، ويرضى بقليل الرِّبح[8]؛ كما أمر الله تعالى بقوله: ? وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ? [الأنعام: 152]، وقد حذَّر الله تعالى من إنقاص المكيال والميزان، وبَخْسِ الناس حقوقَهم ولو كان شيئًا يسيرًا، فقال تعالى: ? وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ? [المطففين: 1 - 3]، وعندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزَّانًا يَزِنُ، قال له: ((زِنْ وأَرجِحْ))[9].

• وأما السماحة في الشراء، فهي أن يُؤدِّي ما عليه طيِّبة به نفسُه، يقضي بأفضل ما يجد، ويُعجل القضاء[10]، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان لرجلٍ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم سِنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: ((أعطوه))، فطلبوا سِنَّه، فلم يَجدوا له إلا سنًّا فوقَها، فقال: ((أعطوه))، فقال: أَوْفَيْتَني أَوْفى الله بكَ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن خيارَكم أحسنُكم قضاءً))[11].

• وأما السماحة في اقتضاء ما له، فهي أن يطلب حقه برفقٍ ولينٍ وسهولة[12]، بل يتنازل عن حقه في حال إعسار غريمه؛ قال تعالى: ? وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ? [البقرة: 280].

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن عظيمِ أجر ذلك السمح في اقتضاء ما له من حقٍّ؛ من ذلك:

• أنه الآمن من كرب يوم القيامة، فعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه طلب غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني مُعسِر، فقال: آللهِ؟ قال: آللهِ؟ قال: فإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن سرَّه أن يُنجيَه الله مِن كُرَب يوم القيامة، فلينفِّس عن مُعسِر، أو يَضَع عنه))[13].

• والمستظلُّ بظلِّ عرش الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن نفَّس عن غريمِه أو محا عنه، كان في ظلِّ العرش يوم القيامة))[14].

• والفائز بعفوِ الله ورحمته مهما كثُرت ذنوبه وخطاياه، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلقَّتِ الملائكةُ رُوحَ رجلٍ ممَّن كان قبلكم، فقالوا: أعملتَ مِن الخير شيئًا؟ قال: لا، قالوا: تذكَّر، قال: كنتُ أداينُ الناس، فآمُر فتياني أن يُنظِروا المعسر، ويتجوَّزوا عن المُوسِر، قال: قال الله عز وجل: تجوَّزوا عنه))[15].

وفي رواية: ((أنه أُتِي اللهَ بعبدٍ مِن عباده آتاه الله مالًا، فقال له: ماذا عملتَ في الدنيا؟ قال: ? وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ? [النساء: 42]، قال: يا رب، آتيتَنِي مالَك، فكنتُ أُبايع الناس، وكان من خُلقي الجواز، فكنتُ أتيسَّر على الموسِر، وأُنظِر المُعسِر، فقال الله: أنا أحقُّ بذا منك، تجاوَزوا عن عبدي))، فقال: عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعناه مِن فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم[16].

________________________

[1] انظر: مقاييس اللغة، 3: 75.

[2] التعريفات؛ للجرجاني، ص 160.

[3] انظر: فتح الباري، 4: 307.

[4] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، 11: 33، برقم 31032، وذكره ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، 13: 167، برقم 3141، وقال: إسناده حسن.

[5] أخرجه الترمذي في البيوع، برقم 1240، والحاكم في المستدرك 2: 56، وقال: صحيح الإسناد ولم يُخرجاه، ووافَقه الذهبي.

[6] أخرجه مالك في الموطأ، في باب جامع البيوع، 2: 685.

[7] أخرجه البخاري في البيوع، برقم 1934.

[8] شرح الزرقاني، 3: 434.

[9] أخرجه أبو داود في البيوع، برقم 3336، والترمذي في البيوع، برقم 1305، وقال: حسن صحيح، والنسائي في البيوع، برقم 4592، وابن ماجه في التجارات، برقم 2220.

[10] شرح الزرقاني، 3: 434.

[11] أخرجه البخاري في الوكالة، برقم 2182، ومسلم في المساقاة، برقم 1601.

[12] شرح الزرقاني، 3: 434.

[13] أخرجه مسلم في المساقاة، برقم 1563.

[14] أخرجه أحمد في المسند، 5: 300، برقم 22612، بسند صحيح، والدارمي في البيوع، برقم 2589.

[15] أخرجه البخاري في البيوع، برقم 1971، ومسلم في المساقاة برقم 1560، واللفظ له.

[16] أخرجه مسلم في المساقاة، برقم 1560.

         أضف تعليق