المشرف العام
التنمية الذاتية
مجاهدة النفس
 
تمت الإضافة بتاريخ : 20/07/2017م
الموافق : 26/10/1438 هـ

مجاهدة النفس

د. شريف فوزي سلطان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وكل من اهتدى بهديه واقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين.

من قواعد السلف المجمع عليها بينهم: أن النفس حجاب بين العبد وبين الله وأنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب.

والناس مع أنفسهم على قسمين:

• قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعاً لها تحت أوامرها.

• وقسم ظفروا بأنفسهم فقهروها فصارت طوعاً لهم منفذة لأوامرهم فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك قال تعالى: ? فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ? [النازعات: 37 - 39].

فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا والرب تعالى يدعوا عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى وهذا موضع المحنة والابتلاء.[1]

قال ابن القيم رحمه الله: " ففي النفس ثلاثة دواعي متجاذبة: داعٍ يدعوها إلى الاتصاف بأخلاق الشيطان من الكبر والحسد والعلو والبغي والشر والأذى والفساد والغش، وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان وهو داعي الشهوة، وداع يدعوها إلى أخلاق المَلَك من الإحسان والنصح والبر والعلم والطاعة "[2] وهنا يأتي دور المجاهدة.

صفات النفس:

وصف الله تعالى النفس في القرآن بثلاث صفات: نفس مطمئنة ونفس لوامة ونفس أمارة بالسوء.

1- فالنفس المطمئنة: هي التي سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه وأنست بقربه، وهي التي يقال لها عند الوفاة: ? يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ? [الفجر: 27 - 30].

وسميت مطمئنة لأنها اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره وأمره ونهيه وخبره ولقائه ووعده، واطمأنت إلى الرضا به رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، واطمأنت إلى قضائه وقدره.

2- النفس اللوامة: هي التي تلوم صاحبها دائماً، تلومه إذا أحسن ألا يكون ازداد إحساناً وتلومه إذا أساء ألا يكون رجع عن إساءته.

والنفس اللوامة نفس مؤمنة ولذلك أقسم الله بها قائلاً: ? لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ... ?  [القيامة: 1، 2]

قال الحسن: " إن المؤمن – والله – ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه وإن الفاجر ليمضي قُدماً لا يعاتب نفسه "

3- النفس الأمارة بالسوء: هي التي تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغى واتباع الباطل وهى الأصل كما قال تعالى: ? إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [3] [يوسف: 53]

إن النفس البشرية عموماً خلقها الله تعالى أمارة بالسوء ميالة إلى الشر فَرّارة من الخير إلا من رحمه الله تعالى ووفقه إلى تزكيتها وتطهيرها بالأعمال الصالحة ودوام المحاسبة والمجاهدة حتى تتحول هذه النفس الأمارة بالسوء إلى نفس لوامة تلوم صاحبها على الشر ثم إلى نفس مطمئنة لا تأمر صاحبها إلا بطاعة الله فإن زلت نفسه سرعان ما يعود إلى الله.

قال تعالى: ? إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ? [إبراهيم:34].

وقال تعالى: ? وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ? [الكهف 54].

وقال تعالى: ? إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ? [الأحزاب:72].

وقال تعالى: ? إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ? [المعارج].

وقال تعالى: ? كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ? [العلق].

وقال تعالى: ? إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ? [العاديات:6] أي جحود لنعمة الله ? وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ? والخير: المال

وقال تعالى: ? بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ? [القيامة:5] أي يملأ الأرض فجوراً ? يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ? سؤال استنكار!! هذه بعض صفات الإنسان

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب قدّم بين يدى خطبته:" إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.."[4]

وقال له أبو بكر يوماً: " يا رسول الله مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت " قال: قل: " اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد ألا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءاً أو أجرَّه إلى مسلم قله إذا أصحبت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك " (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وانظر صحيح الجامع).

لماذا خلق الله النفس كذلك؟

وإنما خلق الله تعالى النفس كذلك امتحاناً وابتلاءً وليقوم الإنسان بمهمته فى هذه الحياة وليظهر مدى امتثاله لأمر ربه، هل سيهمل نفسه وينساها؟

أم سيعمل جاهداً على تزكيتها وتطهيرها، وهنا أقسم الله تعالى بالنفس قائلاً: " ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " قد أفلح من حاسبها وجاهدها ودفعها إلى الطاعة دفعاً وقد خاب من خسر من نسيها وأهملها [5]".

معنى المجاهدة:

مجاهدة النفس: حملها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وإذا قوى على ذلك قوى على جهاد أعداء الدين.

قال المناوي: المجاهدة: حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى وقيل: هي بذل المستطاع في أمر المطاع (الله). [6]

قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها. [7]

المجاهدة طريق الهداية:

قال تعالى: ? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? [العنكبوت:69] فعلق سبحانه الهداية بالجهاد فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداً، وأفرض الجهاد: جهاد النفس وجهاد الهوى وجهاد الشيطان وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة فى الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته..[8]

قال الإمام الغزالي – في الإحياء: " فالمجاهدة مفتاح الهداية لا مفتاح لها سواها ".

وقال تعالى: ? وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ? [الحجر:78].

• قال ابن المبارك في تفسيرها: " الجهاد في الله هو جهاد النفس والهوى "

• وقال صاحب الظلال: " فالمسلم عندما يؤمر بالمجاهدة لا يعنى ذلك أن يبذل فوق طاقته وأن يتحمل أكثر مما يقدر عليه وإنما هو ضبط النفس والتحكم فيها لتسير في طريق صلاحها وسعادتها وتعتصم بحبل ربها.

• وقال تعالى: ? وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ? [العنكبوت:6]، والآية مكية على الصحيح، والمراد جهاد النفس، فمن جاهد نفسه في طاعة الله نفع ذلك يعود عليه..

• وقال صلى الله عليه وسلم: " المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " (رواه أحمد وصححه الألباني في الصحيحة).

• وقال صلى الله عليه وسلم: " أفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله " (الصحيحة).

• سأل رجل عبد الله بن عمر عن الجهاد؟ فقال: ابدأ بنفسك فجاهدها...."[9]

• قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه لعمر حين استخلفه: " أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك " [10]

• قال ابراهيم بن علقمة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال القلب " [11]

يا من يجاهد غازياً أعداء دي

ن الله يرجو أن يعان ويُنصرا

هلا غشيت النفس غزواً

إنها أعدى عدوك كي تفوز وتنصرا

إن أنت نلت جهادها وعنادها

فلقد تعاطيت الجهاد الأكبرا

• جاء رجل لبعض العارفين فقال: قطعت إليك مسافة. فقال له: ليس هذا الأمر بقطع المسافات، فارق نفسك بخطوة وقد حصل لك مقصودك " [12]

• قال ابن حزم رحمه الله: " واعلم أن رياضة الأنفس أصعب من رياضة الأُسد لأن الأُسد إذا سجنت في البيوت التي تتخذ لها أمن شرها والنفس إذا سجنت لم يؤمن شرها " [13]

• قال السُّرى رحمه الله: " أقوى القوة غلبتك نفسك ومن عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز " [14]

فمن ملك نفسه وقهرها ودانها عَزّ بذلك لأنه انتصر على أشد أعدائه وقهره وأسره واكتفى شره قال: ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [التغابن:16]

المثل الأعلى في مجاهدة النفس:

• عن عائشة رضى الله عنه قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه فقلت: يا رسول الله هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً " (متفق عليه)

• وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء. قلنا: وما هممت؟ قال: أن أقعد وأذره " (رواه البخاري).

وقد اقتدى به أصحابه واهتدى بهديه أحبابه:

• عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضى الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لى: سل، فقلت: اسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعنى على نفسك بكثرة السجود " (رواه مسلم وغيره)

• وعن أبىّ بن كعب رضى الله عنه قال: " كان رجل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه وكانت لا تخطئه صلاة، فقيل له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفى الرمضاء، فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال صلى الله عليه وسلم: " قد جمع الله لك ذلك كله " (صحيح الترغيب والترهيب )

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته

أتطلب الربح مما فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

وامدد يديك بحبل الله معتصماً

فإنه الركن إن خانتك أركان

________________________

[1] جهاد النفس: على محمد الدهامي نقلاً عن إغاثة اللهفان ص بتصرف.

[2] مدارج السالكين ابن القيم ج2

[3] بتصرف واختصار من إغاثة اللهفان لابن القيم.

[4] انظر خطبة الحاجة: محمد ناصر الدين الألباني ص 5.

[5] أما آن لقلبك أن يعبد؟ المؤلف.

[6] نضرة النعيم نقلاً عن التعريفات ص204

[7] نضرة النعيم نقلاً عن فتح الباري.

[8] الفوائد ابن القيم.

[9] جامع العلوم والحكم ابن رجب

[10] جامع العلوم والحكم ابن رجب.

[11] جامع العلوم والحكم ابن رجب.

[12] مجموعة رسائل ابن رجب ص128

[13] الزهد للبيهقي.ص158

[14] مداوة النفوس 154

         أضف تعليق