المشرف العام
المناهج
الرحمة في حياة رسول الله
 
تمت الإضافة بتاريخ : 08/07/2017م
الموافق : 14/10/1438 هـ

الرحمة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم

راغب السرجاني

رسول الله رحمة للعالمين:

إن الرحمة صفة من صفات الله - تبارك وتعالى -، ومن عظيم رحمة الله - تعالى - أنه أرسل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رحمةً للبشريَّة كلها، فكان الرسول الرحمة؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهو ما أخبر به - تعالى - بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الأنبياء:107].

ولذلك كان الرسول الرحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يقول: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ!! إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ))[1]، فكانت رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامَّة للناس جميعًا، وخاصَّة كذلك لأُمَّته، ولننظر إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال فيه: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ، وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ[2] عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ[3] فِيهَا))[4]، فهذه رحمة غير مسبوقة، لا يماثلها أو يقترب منها رحمة في العالم.

رسول الله رحمة للعالمين:

لقد بعث الله - تعالى - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، فقد شملت رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبار والصغار، والرجال والنساء، والقريب والبعيد، بل الصديق والعدوَّ، كما أنها كذلك ليست محدودة بمكان أو زمان، وإنما هي لكل العالمين منذ بعثته - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم الدين؛ لذلك نجده - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّم أُمَّته خُلُق الرحمة قائلاً: ((إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))[5].

فالرحمة التي ظهرت في كل أقوال وأعمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لم تكن رحمة مُتكلَّفة، تَحْدُث في بعض المواقف من قبيل التجمُّل، أو الاصطناع، إنما كانت رحمة طبيعيَّة تلقائيَّة مُشاهَدة في كل الأحوال، برغم اختلاف الظروف، وتعدُّد المناسبات، حتى إن هذه الرحمة غلبت على كل أخلاقه فصارت أبرزها، وليس هذا عجيبًا؛ فإن المتدبِّرَ في القرآن الكريم يجد أن أبرز الصفات الأخلاقية التي وردت في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان خلق الرحمة.

صور من رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكبار السن، والأطفال:

أمّا عن صور الرحمة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي لا تعد، ولا تحصى، ولننظر إلى رحمته بكبار السنِّ، والأطفال؛ فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا))[6]، فما أعظم هذا المجتمع الذي ربَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتراحم الجميع فيما بينهم امتثالاً لأقواله - عليه الصلاة والسلام -!

رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمخطئين:

ونجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤوفًا رحيمًا بالمخطئين، الذين جاءوا يعترفون بذنوبهم، فقد لا يستطيع أحدهم أن يرفع عن نفسه حرج الذنب، فيأتي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلَّه يرفع عنه ما أسرفه على نفسه، وسيرته مليئة بالشواهد الدالَّة على ذلك، ومن أمثلة ذلك ما يرويه أبو هريرة - رضي الله عنه - فيقول: بينما نحن جلوسٌ عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله!! هلكْتُ، قَالَ: ((مَا لَكَ؟)) قال: وقعتُ على امرأتي، وأنا صائمٌ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟)) قال: لا. قال: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟)) قال: لا فقال: ((فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟)) قال: لا.

قال: فمكث النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِعَرَقٍ[7] فيها تمر، قال: ((أَيْنَ السَّائِلُ؟)) فقال: أنا، قال: ((خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ))، فقال الرَّجل: أعلى أفقر منِّي يا رسول الله؟ فواللَّه ما بين لابَتَيْهَا[8] - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي، فضحك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثمَّ قال: ((أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ))[9].

فما أرحم هذا التعامل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد ظلَّ يُعَدِّد عليه وسائل الكَفَّارة بلا انفعال أو غضب، بل قابل الأمر بالابتسامة التي تعطي المخطئ نوعًا من الاطمئنان النفسي، وعندما أبدى الرجل عجزه عن فعل أيٍّ منها لم ينزعج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ بل جاء له بتمر صدقةٍ أتاه، وقال له: خذ هذا التمر، وكفِّر به عن ذنبك.

رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجال العبادة:

وظهرت رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك في مجال العبادة؛ فقد شكا إليه رجل فقال: والله يا رسول الله إني لأتأخَّر عن صلاة الغداة[10] من أجل فلان ممَّا يُطيل بنا، فما رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشدَّ غضبًا منه يومئذ، ثم قال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ!! إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ))[11].

رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الأسرى:

كما تجلَّت مظاهر الرحمة في تعامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الأسرى؛ فها هي سفانة ابنة حاتم الطائي[12] التي أُسِرت في حرب مع قبيلة طيِّئ، فجُعِلَت في حظيرة بباب المسجد، فمرَّ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقامت إليه، وكانت امرأةً جَزْلة[13]؛ فقالت: يا رسول الله!! هلك الوالد، وغاب الوافد[14]، فامْنُنْ علَيَّ مَنَّ الله عليك ... فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قَدْ فَعَلْتُ[15]، فَلا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكِ مَنْ يَكُونُ لَهُ ثِقَةً، حَتَّى يُبَلِّغَكِ إلَى بِلادِكِ، ثُمَّ آذِنِينِي))، تقول ابنة حاتم الطائي: وأقمْتُ حتى قَدِمَ رَكْبٌ من بَلِيٍّ، أو قضاعة، وإنما أُرِيد أن آتي أخي بالشام، فجئتُ فقلتُ: يا رسول الله!! قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقةٌ، وبلاغ، قالت: فكساني، وحَمَلَني، وأعطاني نفقة، فخرجتُ معهم حتى قَدِمْتُ الشام[16].

وهنا وقفة مع هذا الموقف العظيم؛ نرى فيه بوضوح هذا التعامل الإنساني الرحيم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع هذه الأسيرة؛ حيث لم يَرْضَ الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لها أن تخرج منفردة وحيدة، بل طلب منها ألاَّ تتعجَّل بالخروج حتى تجد من قومها مَنْ يكون ثقة فتسير معه.

رحمة رسول الله بالحيوان: بل إن رحمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجاوزت البشر لتصل إلى الحيوان من الدوابِّ، والأنعام، والطير، والحشرات، فنرى في سيرته أنه يخبر عن زانية غفر الله لها لتحرُّك الرحمة في قلبها لكلب[17]! وتتجاوز رحمته البهائم إلى الطيور الصغيرة التي لا ينتفع بها الإنسان كنفعه بالبهائم، ولننظر إلى رحمته بعصفور! حيث يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللَّهِ - تعالى - يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ!! إِنَّ فُلاَنًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ))[18].

إنها الرحمة المتجرِّدة عن أي هوًى، والتي ليس من ورائها نفع دنيوي، ولا هدف شخصي، فما أروعها من رحمة تمسح الآلام، وتخفِّف الأحزان.

---------------------

[1] الدارمي: المقدمة، باب كيف كان أول شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (15)، وقال سليم أسد: إسناده صحيح، والحاكم (100) وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما..، والطبراني: المعجم الكبير (5)، وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع (2345).

[2] بحجزكم: جمع حجزة، وهي معقد الإزار، ومن السراويل موضع التكة، والمراد أنه يمنعهم من الوقوع في المعاصي التي تكون سبباً لولوج النار. انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 11/318.

[3] يقحَّمون: الأصل تتقحَّمون، فحُذفت إحدى التاءين، والقحم هو الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت، ويطلق على رمي الشيء بغتة، واقتحم الدار هجم عليها. المصدر السابق.

[4] البخاري: كتاب الرقائق، باب الانتهاء عن المعاصي (6118)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب شفقته على أمته... (6095).

[5] البخاري عن أسامة بن زيد: كتاب الجنائز، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يُعَذَّبُ المَيتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ))(1224)، ومسلم: كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت (923).

[6] الترمذي عن أنس بن مالك: كتاب البر والصلة، باب رحمة الصبيان (1919)، وأحمد (6733) وقال شعيب الأرناءوط: صحيح، والحاكم (209)، والبخاري في الأدب المفرد (358)، والطبراني في الكبير (12276)، وأبو يعلى (4242)، وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع (5445).

[7] العَرَق: المكتل، والجراب، والوعاء المنسوج من الخوص، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة عرق 10/240.

[8] لابتيها: مثنى لابَّة، وهي الأرض التي بها حجارة سُودٌ، والرجل يقصد المدينة المنورة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة لوب 1/745.

[9] البخاري: كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتُصُدِّقَ عليه فليُكَفِّر (1834)، ومسلم: كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان (1111).

[10] صلاة الغداة: أي صلاة الصبح، انظر: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري 2/198.

[11] البخاري عن أبي مسعود: كتاب الجماعة والإمامة، باب من شكا إمامه إذا طوَّل (672)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام (466).

[12] سفانة بنت حاتم الطائي: والدها جواد العرب المشهور حاتم الطائي، انظر: ابن الأثير: أسد الغابة 6/146، وابن حجر العسقلاني: الإصابة ترجمة رقم (11291).

[13] امرأة جزلة: أي عاقلة، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة جزل 11/109.

[14] غاب الوافد: تعني به أخاها عديًّا، وكان من المفترض أن يَفِدَ عليها بالخدمة؛ فلا هو حمى قومه، ولا هو رعاها، ولا هو جاء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليفكَّ أسرها، أو هو من غاب الوافدان أي هَرِمَتْ، والوافدان هما الناشزان من الخدين. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادَّة وفد 3/464.

[15] المقصود هنا أن الرسول مَنَّ عليها وأعتقها بلا مقابل.

[16] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/188، وابن هشام: السيرة النبوية 5/276، وابن كثير: السيرة النبوية 4/123،124.

[17] الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة: كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم... (3143)، ومسلم: كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها (2245).

[18] النسائي عن الشريد بن سويد (4446)، وأحمد (19488)، وابن حبان (5993)، والطبراني: المعجم الكبير 6/479، وقال الشوكاني: هو حديث مروي من طرق قد صحح الأئمة بعضها. انظر: الشوكاني: السيل الجرار 4/380.

         أضف تعليق