المشرف العام
المناهج
البر حسن الخلق
 
تمت الإضافة بتاريخ : 01/07/2017م
الموافق : 7/10/1438 هـ

البر حسن الخلق

عبد العال بن سعد الرشيدي

عن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((البر حُسن الخُلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.

وعن وابصة بن معبدٍ - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((جئتَ تسأل عن البر؟)) قلت: نعم، فقال: ((استفتِ قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتَوْك)) حديثٌ حسنٌ، رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبلٍ والدارمي بإسنادٍ حسنٍ.

ترجمة الراوي:

1- النواس بن سمعان بن خالد بن عبدالله بن أبي بكر الكلابي معدود من الشاميين، يقال: إن أباه سمعان بن خالد وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأعطاه سمعانُ نعليه، فقبِلهما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وتزوج أخته، فلما دخلت على النبي تعوذت منه فتركها وهي الكلابية؛ قاله ابن عبدالبر.

وروى عن النواس بن سمعان: جبير بن نفير، ونفير بن عبدالله وجماعة، وقال أبو حاتم الرازي وأبو أحمد العسكري: إن النواس سكن الشام[1].

2- وابصة بن معبد بن مالك بن عبيد الأسدي من أسد بن خزيمة يكنى أبا سالم؛ قاله ابن الأثير، وقال: له صحبة، سكن الكوفة، ثم تحول إلى الرَّقَّة، فأقام بها إلى أن مات، وكان كثير البكاء لا يملك دمعته، وكان له بالرَّقَّة عَقِبٌ، توفي وابصة بالرقة، وقبره عند منارة المسجد الجامع بالرافقة[2].

منزلة الحديث:

• هذا الحديث من جوامع كلمه - عليه الصلاة والسلام -، وعليه مدار الإسلام؛ لأنه يبحث في أمرين عظيمين: الأول: عن الخلق الحسن، والثاني: عن الخلق السيئ[3].

• قال ابن حجر الهيتمي - رحمه الله -: هذا الحديث من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -، بل من أوجزها؛ إذ البر كلمة جامعة لجميع أفعال الخير، وخصال المعروف، والإثم كلمة جامعة لجميع أفعال الشر والقبائح كبيرها وصغيرها[4].

• قال الفشني - رحمه الله -: هذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها - صلى الله عليه وسلم -، وهو في الحقيقة حديثان، لكنهما لما تواردا على أمر واحد كانا كالحديث الواحد، فجعل الثاني كالشاهد للأول[5].

• قال المناوي - رحمه الله -: وذا من جوامع الكلم؛ لأن البر كلمة جامعة لكل خير، والإثم جامع للشر[6].

غريب الحديث:

• البر: التوسع في فعل الخير؛ فهو اسم جامع للخير، وكل فعل مَرْضي.

• الإثم: المعاصي والذنوب بحق الله.

• حاك: تردد وتحرك.

شرح الحديث:

((البر)) اسم جامع لأنواع الخير، وكل فعل مرضي.

((حسن الـخلق)) أي: التخلُّق مع الخَلْق؛ بطلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، وقلة الغضب، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه، قال ابن دقيق العيد: البر حسن الخلق يعني أن حسن الخلق أعظم خصال البر.

((والإثم)) أي: الذنب، ((ما حاك في نفسك))؛ أي: تردد وتحرك، وهو ما وقع في القلب ولم ينشرح له الصدر، ويخاف فيه الإثم، قال النووي - رحمه الله -: هو ما اختلج وتردد، ولم تطمئن النفس إلى فعله.

((وكرهت أن يطلع عليه الناس))؛ أي: عظماؤهم وما داناهم لا رعاؤهم كما فهم من أداة التعريف، ووجهه أن النفس مجبولة على محبة اطلاع الناس على خيرها، وكراهية اطلاعهم على شرها، ولم يزل ذلك ظاهراً معروفاً.

((البر)) أي: الحلال، ((ما اطمأنت))؛ أي: سكنت، ((إليه النفس، واطمأن إليه القلب)) لأن طمأنينة القلب من طمأنينة النفس، ((والإثم ما حاك في النفس)) أي: أثَّر فيها، ((وتردد في الصدر)) يعني في القلب، ((وإن أفتاك الناس)) وفي رواية: وإن أفتاك المفتون، ((وأفتَوْك))؛ أي: حتى لو أفتاك مُفْتٍ بأن هذا جائز، ولكن نفسك لم تطمئن ولم تنشرح له؛ فدَعْهُ.

فائدة:

((جئت تسأل عن البر؟)) قلت: نعم، فقال: ((استفت قلبك)).

قال العلماء: ولا يقال لكل إنسان: استفت قلبك، وإنما يقال ذلك لمن كان في مثل الصحابي وابصة في قوة الفهم، وصفاء النفس، وسَعة العلم، والحرص على تحري الخير، فمثله لا يرجع لفتوى - رضي الله عنه -، أما عامة الناس فلا يقال لأحدهم: استفت قلبك، وإنما يقال له: استفت العلماء الذين يميل قلبك إلى أمانتهم في العلم، فاسأل واعمل بفتواهم، وإن خالفت فتواهم ما في قلبك لقوله - تعالى -: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[النحل:43][7].

الفوائد من الحديث:

1- فضل حسن الخُلق؛ حيث جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حسن الخُلق هو البِرَّ.

2- إن ميزان الإثم أن يحيك بالنفس، ولا يطمئن إليه القلب.

3- المؤمن يكره أن يطلع الناس على عيوبه.

4- أنه متى أمكن الاجتهاد فإنه لا يعدل إلى التقليد؛ لقوله: ((وإن أفتاك الناس وأفتوك)).

5- معجزة واضحة للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث أخبر الصحابيَّ وابصةَ بما في نفسه قبل أن يتكلم به.

---------------------

[1] أسد الغابة (5/367 رقم 5307) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بهامش الإصابة (3/569).

[2] أسد الغابة (5/427 رقم 5421) تهذيب التهذيب (10/480 رقم 867).

[3] الإلمام (357).

[4] فتح المبين (191).

[5] المجالس السنية (175).

[6] فيض القدير (3/284 ح 3197).

[7] شرح الأربعين النووية، للدكتور محمد بكار زكريا (88).

         أضف تعليق