المشرف العام
الداعية الصغير
مداواةُ جُرحِ الصديق
 
تمت الإضافة بتاريخ : 11/06/2017م
الموافق : 17/09/1438 هـ

مداواةُ جُرحِ الصديق

عبد العزيز الأحمد

حدث هزني الأسبوع الماضي؛ وذلك أنني أعرف صديقين اثنين يحبان بعضهما يلتقيان يومياً، درساً سوياً، ويسكنان في حي واحد، ويتساعدان على هموم الحياة، ومن عمق العلاقة أن كلا منهما يعرف أسرار الآخر ويتشاوران، حتى وصل الأمر أن أبا عبد الله أعطى رقم حسابه البنكي لصديقه أبي عبد الرحمن، وجعل توقيعه ردفاً لتوقيعه، وكثيراً ما ساعد أبو عبد الله صديقه أبا عبد الرحمن، سواء في الاحتياج المالي، أو الأسري، أو الاجتماعي.

قد كنتَ دوما حين يجمعنا الندى*** خلاً وفياً والجوانح شاكـرة

واليـوم أشعر في قرارة خاطري *** أن الذي قد كان أصبح نادرة

ومرت الأيام، وكبرا وتزوجا وتخرجا وتوظفا، ورزقا بأولاد، وبلغا الأربعين من عمريهما، وفي خضم هذه الحياة حصل سوء تفاهم حول موضوع دنيوي، فكانت ردة الفعل من أبي عبد الرحمن شديدة فوق المعقول والواقع، من جرائها هجر صديقه، وبدأ يتكلم به عند من يعرفهما، وصديقه حافظ للسانه تقديراً لذلك الصديق، حاول أن يلتقيه في بعض مواقف الفرح أو الترح لكن أبا عبد الرحمن كان يتحاشى ذلك، فإن علم بوجوده اختفى ورحل، ومرت الشهور والسنون، وصديقه يتحمل ويتمهل مستحضراً قول الشاعر:

أغمّضُ عيني عن صديقي كأنني***لديه بما يأتي من القبحِ جاهلُ

وما بي جهلٌ غير أن خليقتي***تطيقُ احتمالَ الكرهِ فيما أحاولُ

ثم ماتت الأخت الشقيقة لأبي عبد الله وكانت جارة لصيقة لصديقه، فعزى الصديق صديقه فرد عليه بمثل ذلك شاكراً وذاكراً، ويبدو أن أبا عبد الرحمن أحس بخطئه الفادح؛ إذ علم أن ما عمله كان جرماً عظيماً بالهجر، والكلام في عرض صديقه الذي كان له مثل الأخ، لكن طبيعة شخصيته، لم تسمح له بالاعتذار والزيارة وطلب الصفح، حتى أتت مناسبة زواج ابنته، فأرسل دعوة عبر الواتس لصديقه، وهو كان في مدينة أخرى، فقرأها الصديق، وتأثر، وفعلاً رتب أموره لكي يسافر ويحضر زواج ابنة صديقه الذي طالما سمرا مع بعضهما وتنادما وضحكا وبكيا، وطالما تهامسا، وتسارا، راجياً نيل عفو الله ومغفرته (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) وفي اليوم الموعود، ركب أبو عبد الله متوجهاً لمدينة صديقه، يلتهم الأرض ويسابق الوقت، ووصل لقصر العرس مقبلاً فرحاً؛ فما إن رآه أبو عبد الرحمن حتى ضمه وتعانقا طويلاً، وحاول تقبيل رأس صديقه أبي عبد الله، فتأبى، وشكره على مجيئه وهو في حالة دهشة وذهول وقال له: "كلفنا عليك بالمجيء" فأجابه صديقه "أنا أتيت الليلة من 350 كيلو من أجل ما بيننا من حب وصداقة وحق ومروءة ولم آت إلا لزواج ابنتك التي هي كابنتي، وفعلاً تأثر صديقه، وظهرت على وجهه علامات الندم، وغلبه شعور البكاء.

واستبقِ ودّك للصديقِ ولا تكنْ*** قتباً يَعَضُّ بغاربٍ مِلْحاحا

فالرفقُ يمنٌ والأناةُ سعادةٌ***فتأنَّ في رِفْقٍ تنالُ نجاحا

واليأسُ مما فاتَ يعقبُ راحةً***ولرب مطعمةٍ تعودُ ذُباحا

وبعد الزواج، وحينما قام  أبو عبد الله لصلاة الفجر وجد صديقه قد بعث له برسالة عبر الجوال:

صديقي السلام عليكم:

شعور لا يوصف وسط دهشة أنستني ما أنا فيه تلك اللحظات حينما رأيتك مشرفاً حفلنا في وقت لم أتوقع فيه حضورك، فبارك الله بهذه النفس الطيبة العفوة حينما عفوتَ بعد ان هفوتُ، جزاك الله خير الجزاء، وأثلج صدرك كما أثلجت صدري.

فرد عليه صديقه:

"حياك الله أخي الشقيق العزيز، لا تثريب عليك يغفر الله لي ولك.

فرحك فرح لي، وابنتك ابنتي، أنت لي أعظم مما تتصور، والدنيا أقصر مما نظن، أدام الله مسراتك، وأصلح بالي وبالك، وجمعنا دوماً على الخير.

 

 

         أضف تعليق