المشرف العام
المناهج
القاعدة الإيمانية للتربية الإسلامية
 
تمت الإضافة بتاريخ : 08/06/2017م
الموافق : 14/09/1438 هـ

القاعدة الإيمانية للتربية الإسلامية

كيندة حامد التركاوي

لا يقوم بنيان الشيء مها صغر أو كبر إلا على أساس ثابت، فالبناء حتى يُشاد بحاجة إلى أساس يدعم ركائزه، فيرتفع بنيانه، والمجتمع حتى يسمو ويرتقي بحاجة لتنشئة أبنائه تنشئة صحيحة سليمة؛ تقوم على أسس ثابتة، فالتربية بحاجة إلى أرضية صلبة يقف عليها الأبناء بمتانة وقوة دون أن تزل أقدامهم، عبر مراحل الحياة المتقلبة باستمرار، والحياة لا قيمة لها ما لم تكن مبنية على أساس ثابت. وللحصول على هذا الأساس لا بد من إثمار الذات الإنسانية في كنف المسؤولية التي لا يكون الإنسان إنساناً إلاّ بها وعنها ولها وإلا فسد كل شيء. إن الأمم متى تهيأت لها أرضية إيمانية، وبنية روحية صالحة، وتربية إيمانية سديدة، تستند إليها سَمت واندفعت إلى العمران والعلم. فأنتجت واستقامت لها الأمور بما يمسكها من إيمان وأدب. يُوحد بينها ويُحدد مسالكها، ويُقوم اعوجاجها.

والإسلام هو العقيدة المثلى للإنسان منفرداً أو مجتمعاً، عاملاً لروحه، وعاملاً لجسده، وناظراً إلى دنياه، وناظراً إلى آخرته، ومسالماً ومحارباً ومعطياً حق نفسه، ومعطياً حق خالقه، وهو دين العقل الذي راعى قوانينه في كل ما أتى به، ثم تحاكم إليه وقبل سلطانه وأحكامه وتكاليفه وأوامره ونواهيه؛ لأنه مطمئن إلى كل ما فيه، وواثق بأنه ليس فيه ما يأباه العقل أو يستعصى على الفهم أو يتعالى على الإدراك، ولا يهدف إلى تربية حاسة واحدة من حواس الإنسان بل يهدف إلى تربية قوى الإنسان كلها من روح، وجسد، لتسير سيرة طبيعية دون قلق أو اضطراب أو شذوذ، وتربية الإنسان تبدأ بصياغة الفكر، ومحاكاة العقل، وتنتهي إلى صياغة الواقع في كل شؤونه وأحواله، وسلوك الإنسان انعكاساً لتربيته ومفاهيمه وأفكاره. وسلوك الإنسان يصدر في كل تصرفاته وأفعاله عن التصورات التي يحملها وعن العقيدة التي يعتقدها، ومفتاح كل أمر من أمور الإصلاح هو الوصول إلى النفس الإنسانية. ولابد لهذه الإنسانية القريبة من المثالية من قاعدة ثابتة، وأرضية صلبة تقف عليها هذه النفس. ولذلك نجد أن التربية الإسلامية قائمة على قواعد راسخة. وبالعودة إلى تعريف القاعدة نجد أن:

القَاعِدَةُ في الاصطلاح: بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته. قَوَاعِدُ الْبَيْتِ أَسَاسُهُ، الْوَاحِدَةُ قَاعِدَةٌ[1].

القاعدة: ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت، وعُرفت: قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها[2].

إذاً: القاعدة كلٌّ ينطبق على الجزء، وهذا أهم مبدأ ينطلق منه الدين الإسلامي والتربية الإسلامية.

فالدين الإسلامي كُلّ، والتربية الإسلامية جُزء، والتربية الإسلامية كُلٌّ، والتربية الاقتصادية جزء، والكل لا يتحقق إلا من خلال وحدة أجزائه، لذلك نجد بأن التربية الاقتصادية قائمة على القواعد التالية:

القاعدة الإيمانية:

بناء القاعدة الإيمانية يعني تمكين الإيمان بالله سبحانه وتعالى في المشاعر المختلفة، ليصبح المرء رقيق القلب، سريع الاستثارة عند تعرضّه لأدنى مؤثر، فينعكس ذلك على طريقة تعامله مع أحداث الحياة بتقلباتها المتغيرة [3].

لا يمكن للتربية أن تنمو وتكتمل وتتواءم ما لم تستند إلى جذر متين موغل في باطن النفوس، يُغذيها بالجدّةوالابتكار والإبداع المنضبط بالضوابط الشرعية المستقاة من وحي التشريع الإلهي، في عالم تتصارع فيه القوى المادية والنظريات الوضعية.

إن القاعدة الإيمانية هي الأرضية الثابتة للتربية؛ فلو فرضنا بأن القاعدة الإيمانية شجرة، فجذرها يمتد إلى ما قبل ولادة الإنسان، ذلك إن الإيمان والعقيدة الصحيحة، غُرسا بداخل الإنسان منذ أن كان في عالم الذّر، وانتقلا معه إلى عالم الأجنة، ثم يولدان معه، كما بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ...)) [4]

تكفل الله -جلا جلاله- بإنبات وحماية الجذر، وكلّف الأبوين برعاية الساق الغضة الطرية، فإذا رُويت هذه الساق بماء الحياء والخشية من الله، وغُذيت بالقناعة والرضا، وأُلبست ثوب الفضيلة، وتُوجت بتاج العفة، وعُطرت بالطهر، وزُينت بمكارم الأخلاق، أفرعت براعم غضة، وأزهرت لتثمر ثمار يانعة، وهذا حال الجذر الذي ينبت في تربة إيمانية طاهرة، أما إذا أًهملت الساق ونبتت في تربة بعيدة عن الإيمان، اعوجت وصعب إصلاحها. لذلك كانت العناية بالطفل في السنوات الأولى من عمره من أهم مراحل التربية، حيث تكون المسؤولية مضاعفة على الوالدين، من ناحية العناية والاهتمام برعاية الطفل الجسدية، والعناية بالناحية النفسية والتربوية، ويخطئ بعض المربين في اعتقادهم، أو في كيفية تعاملهم مع أطفالهم الرضع على أنهم لا يدركون شيء، وهذا عكس ما أثبته العلم الحديث بأن الأطفال الرضع يعون ما يجري حولهم، حتى الأجنة في بطون أمهاتهم يتأثرون بحالة الأم النفسية وكذلك بالمحيط الذي تعيش فيه؛ ولذلك يطلب الأطباء من الأمهات الحوامل الابتعاد عن الضغوط النفسية، والمشكلات الاجتماعية التي تؤثر سلباً على صحة ونمو الجنين الجسدية والنفسية.

وإذا كان لنا الحق في استشراف وقراءة الخريطة المستقبلية عن كثب، فإن من واجبنا أن نتطلع إلى طفل يُحاط بالرعاية المتوازنة، والتربية السوية عن طريق إشباع حاجاته، وتلبية مطالبه الضرورية المشروعة من غير مماطلة أو تأجيل، طفل ينشأ وهو على دراية بواقعه، متسلحاً بالقيم الروحية والمعنوية التي تحدد معالم شخصيته المميزة، طفل ذو ثقافة جديدة، تجعله على ثقة وهو يواجه ثورة المعلومات والإنترنيت، طفل ذو عقائد راسخة، وقيم فاضلة، وخبرات واسعة، بحيث لا يكون مشدوداً إلى الوراء بعقلية بالية، أو مبهوراً بما يراه من مستحدثات فينجرف عن غير وعي، فتتفسخ هويته، وتتلاشى خصوصيته، فيفقد سمات شخصيته ويذوب في عالم التكنولوجية الواحدة حيث العولمة [5].

ولكن التربية الإسلامية كفلّت للطفل حسن التربية والتنشئة، من خلال الاعتماد على قواعد صلبة متينة، أهمها القاعدة الإيمانية التي تقوم على أساس ثابت وهو:

القرآن الكريم:

أعظم النعم شأناً وأرفعها مكاناً كيف لا وهو مدار للسعادة الدينية والدنيوية وعيار على الكتب السماوية ما من مرصد ترنو إليه أحداق الأمم إلا وهو منشؤه ومناطه، ولا مقصد تمتد نحوه أعناق الهمم إلا وهو منهجه وصراطه [6] قال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 38].

إن القرآن العظيم قد رسم للإنسانية منهجًا واضحًا في حياتها، وبيّن لها كل ما يهمها، وما ينبغي أن تسير وتُبني عليه علاقاتها وحضارتها، فكان منهجًا متميزاً أثمر عن كل خير وفضل للإنسانية جمعاء. وقد تناولت أحكام القرآن جوانب الحياة بما فيه صلاح البشرية وسعادتها، وكلّ ذلك في إطار الوسطية التي كانت خصيصة الأمة الإسلامية بمفهومها الإسلامي المتمثل في لغة القرآن ومعانيه ومواقفه. كما أورده القرآن الكريم وطبقه رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

والمتأمل في كتاب الله يجد الوسطية والاعتدال في كافة الأمور التعبدية، والسلوكية، والتربوية، وسنسلط الضوء في مقالات قادمة على مجموعة من النقاط التي عرضها وبيّنها القرآن الكريم.

ـــــــــــــــــــــــــــ

[1] الفيومي، أحمد بن محمد المقري ( ت 770ه/ 1348م) المصباح المنير، بيروت،المكتبة العلمية، د.ت،[1-2]، كتاب القاف، 510.

[2] المناوي، التوقيف على مهمات التعاريف، باب القاف، فصل الألف، 569.

[3] الهلالي، مجدي، نظرات في التربية الإيمانية، عمان، مؤسسة أقرأ، 1431ه/ 2020 م، 132.

[4] البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجنائز (23/6 )، باب ما قيل في أولاد المشركين (92/92 )، حديث (1385)، 2، 257.

[5] مختار، وفيق صفوت، مشكلات الأطفال السلوكية، القاهرة، دار العلم والثقافة، ط1، 1419هـ/ 1999م، 10.

[6] الألوسي، العلامة الفضل شهاب الدين السيد محمود، (ت 0 127هـ/ 1854م)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ضبطه وصححه علي عبد الباري عطية، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1426هـ / 2005م، [ 1-23]، 20، 110.

         أضف تعليق