المشرف العام
الداعية الصغير
فأرُوا الله من أنفسكم خيراً
 
تمت الإضافة بتاريخ : 03/06/2017م
الموافق : 9/09/1438 هـ

فأرُوا الله من أنفسكم خيراً

نور الدين لهلالي

كثيرة هي محطات التزود التي هيأها الله لعباده يستعينون بها على عبادته وطاعته، ويتداركون بها أوقات غفلتهم عنه، ويتطهرون مما اقترفوه من معاص، وآثام بدءا بالصلاة حيث يقف خمس مرات يوميا بين يدي ربه تائبا، وطالبا القرب منه سبحانه فضلا عن ما يمكن أن يناله من أدائه لبعض الرواتب، والنوافل، وقراءة القرآن الكريم، ناهيك عما يظفره العباد من خير يوم الجمعة حيث الأعمال فاضلة والطاعات مباركة… تفضلا منه سبحانه لعباده حتى يبقوا في إقبال عليه وإعراض عما سواه، تجسيدا لما خلقوا من أجله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.

وتبقى محطة رمضان المبارك محطة متميزة في حياة العبد بما خصه الله تعالى به من فضائل عظيمة، وقربات جليلة، فلا غرابة أن يستعد السلف لشهر رمضان قبل ستة أشهر من قدومه، ويجتهدون أكثر في شهر شعبان خاصة.

ولكم في رسول الله إسوة حسنة

سأل أسامة بن زيد الرسول عليه الصلاة والسلام عن سبب كثرة صيامه في شعبان فقال: “ذاك يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم” 1.

فقد سن صلى الله عليه وسلم للمسلمين الاجتهاد أكثر في شهر شعبان حثا لهم على ترويض النفس، وتهيئة القلب استعدادا لاغتنام خيرات رمضان ونفحاته. كما كان صلى الله عليه وسلم ينبه لشهر رمضان من مطلع هلال رجب، ويقول: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان”. ونظرا لقيمة رمضان العلية، ومكانته السنية، خصه الرسول صلى الله عليه وسلم بخطبة بين فيها فضائله، فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال: “يا أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه. من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء..” 2.

فضائل وأخرى جعلته يوصي بالإكثار من الطاعة في هذا الشهر الفضيل منذ بدايته؛ يقول صلى الله عليه وسلم: “جاءكم شهر رمضان شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته، فأرُوا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله” 3.

وقد كان صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك أحسن الناس عبادة، وأكثرهم اجتهادا كما وصفه بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه فقال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة” 4 . وعن عائشة رضي الله عنها قالت “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيى الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر” 5.

بأيهم اقتديتم اهتديتم

فهم الصحابة الكرام وصية النبي الكريم وأدركوا الفضل العظيم لشهر رمضان عند الله تعالى فتنافسوا في الطاعات والقربات، وفروا من مقاربة المعاصي والسيئات، فما من باب من أبواب البر إلا ولهم فيه اليد الطولى، وخاصة في مواسم الخيرات، ومضاعفة الحسنات، لقد ثبت أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم.

وقد سجل لهم التاريخ صورا مشرقة في الاجتهاد والتنافس، فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن كل يوم مرة، وهذا أبو هريرة الصحابي الجليل كان يحفظ الصيام. فقد روى أبو نُعيم في الحِلية عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه كان وأصحابه إذا صاموا قعَدوا في المسجد، وقالوا: نُطهر صيامنا، يحفظون صيامهم من اللغو والرفَث وقول الزور، ومن كل ما يُفسده أو ينقص أجره.

وقد كان أبو هريرة – رضي الله عنه – هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثًا يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا، فيكون منزله في الليل كله لا يخلو من قائم يصلي وإن كانت هذه الحال ليست مقصورة على ليالي شهر رمضان، بل إن اجتهاده في شهر رمضان أشد، فهو الراوي لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه”.

وأثر عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه كان لا يفطر في رمضان إلاّ مع المساكين ويحافظ على ذلك باستمرار، فإذا منعهم أهله عنه لم يتعش تلك الليلة. ولم يكن هذا التصرف من ابن عمر رضي الله عنهما خاصاً به وحده بل كان هدياً وسمتاً للصحابة والتابعين في رمضان.

وماذا أنت فاعل؟

أخي هذا غيض من فيض لمعالم مشرقة من تاريخنا تحرك في وفيك جذوة العمل فتهب النفس من كسلها، وتتحرر من عقالها لعلها تحصل من الخير ما حصلوا، وتنال من الأجر ما نالوا. فكن بوقتك شحيحا أن تضيعه في غير مرضاة الله وطاعته، واعلم وأنا معك أن رمضان أيام سرعان ما تنقضي، وساعات قريبا تنتهي، فلنكن ممن وعى وصية نبينا العظيم “فأرُوا الله من أنفسكم خيراً”، وسعى جادا إلى اغتنام هذا الشهر الفضيل حتى ننجو من حرمان الله وشقائه.

والله نسأل أن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

آميــن.

[1] رواه النسائيّ والبيهقيّ وحسنه الألبانـيّ.

[2] رواه ابن خزيمة في صحيحه.

[3] رواه الطبراني في الكبير.

[4] رواه البخاري في صحيحه.\

[5] رواه مسلم.

         أضف تعليق