المشرف العام
المناهج
رمضان والتربية الإيمانية
 
تمت الإضافة بتاريخ : 31/05/2017م
الموافق : 6/09/1438 هـ

رمضان والتربية الإيمانية

 

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

وبعد:

فقد شرع الله - تعالى - الصوم لعباده رحمة بهم وإحساناً إليهم وحماية لهم وجنة، وكان هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه أكمل الهدي، وأعظم تحصيل للمقصود، وأسهل على النفوس، ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة وألفت أوامر القرآن، فنقلت إليه بالتدرج، وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة.

ومعاني العبودية والتوحيد تتجلى في أن الصوم يقطع أسباب الاسترقاق والتعبد للأشياء، فإن العباد لو داوموا على أغراضهم لاستعبدتهم الأشياء وقطعتهم عن الله، والصوم يقطع أسباب التعبد لغير الله، ويورث الحرية من الرق للمشتهيات، لأن المراد من الحرية أن يملك الإنسان الأشياء لا تملكه، فإذا ملكته فقد قلب الحكمة، وصير الفاضل مفضولاً، والأعلى أسفل، قال - تعالى -: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الأعراف: 14]، والهوى إلهٌ معبود، والصوم يورث قطع أسباب التعبد لغير الله. [فيض القدير للمناوي].

التربية على الإيمان والاحتساب

والمسلم في رمضان يتربى على الإيمان من خلال الصيام والقيام والجود والإحسان والصدقة، وغير ذلك من أبواب البر.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه». [رواه البخاري].

وعنه - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». [رواه مسلم].

فصوم رمضان سبب عظيم لغفران ذنوب العباد، وذلك مقيد بشرطين يسيرين على من يسرهما الله عليه؛ وهما الإيمان والاحتساب، إيماناً بالله ورضًا بفريضة الصوم، واحتساباً بأن يصوم محتسباً للثواب والأجر عند الله - تعالى -، غير كارهٍ لهذا الصيام، ولا شاكٍ في الأجر والثواب، والإيمان سبب قبول الطاعات، ومنها الصيام والقيام وإلا فقد يصوم الكافر ولكن عمله مردود لغياب أصل الإيمان، قال - تعالى -: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: 39].

وقال - سبحانه -: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23].

وقال - تعالى -: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بضع وسبعون- أو بضع وستون- شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» [رواه مسلم].

وأصل الإيمان في اللغة: التصديق كما في قوله - تعالى -: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17]. أي: بمصدق لنا، وأما في الشرع: فالإيمان قول باللسان وإقرار بالجنان وعمل بالأركان، أو هو قول وعمل، لذلك ورد في كثير من النصوص اقتران الإيمان بالعمل الصالح، مثل قوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً [الكهف: 107].

والإيمان شعب والطاعات كلها من شعب الإيمان.

وقد بوب الإيمان البخاري «باب قيام ليلة القدر من الإيمان»، وذكر الحديث الذي رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه». وكذلك باب الجهاد من الإيمان، وذكر الحديث الذي رواه أبو هريرة أيضاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسولي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة». وقد عد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صيام رمضان من الإيمان.

وأعظم شعب الإيمان التوحيد، المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته، وقد اتفق العلماء على أن العبد يدخل في الإسلام بالشهادتين وهي قول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وتجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فإذا انضاف إلى ذلك تصديق الباطن كان مؤمناً عند الله - تعالى -.

وأدنى هذه الشعب إماطة ما يتوقع ضرره بالمسلمين من الأذى، والحياء شعبة من الإيمان، لأنه وإن كان غريزة في بعض الأحيان، إلا أنه قد يكون تخلقًا واكتساباً كسائر أعمال البر، وهو وإن كان غريزة لكن استعماله على طريقة الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان بهذا، ولكونه باعثاً على أفعال البر ومانعاً من المعاصي، وقد يطلق على كل طاعة على حده وصف الإيمان، كما في قوله - تعالى -: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: 143].

وقد أجمع العلماء على أن المراد صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة.

الإيمان يزيد وينقص

وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يزيد وينقص، وزيادته بالطاعات، ونقصانه بالمعاصي والزلات، وقد استدل الإمام البخاري في صحيحه على ذلك بعدة نصوص منها، قوله - تعالى -: ويزيد الله الذين اهتدوا هدى [مريم76]. وقوله - تعالى -: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد 17].

قال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: «وإن للإيمان فرائض وشرائع وحدوداً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان».

وأهل الإيمان يتفاضلون ويتفاوتون في درجات الإيمان، فليس من حصل أكثر هذه الشعب كمن حصل القليل منها:

وقد قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف على نفسه النفاق، ما فيهم من أحد يقول إن إيمانه مثل إيمان جبرائيل وميكائيل، وأفضل هذه الأمة إيماناًَ بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، ثم الصحابة، خيار أولياء الله المتقين، وكما وصفهم ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كانوا أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفًا».

حلاوة الإيمان

وعن العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً».

ومعنى الحديث: أنه لم يطلب غير الله - تعالى -، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه.

وقد بين القاضي عياض أن من كان كذلك صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه؛ لأن رضاءه بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً دليل لثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة بشاشته قلبه، لأن من رضي أمراً سهل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعة الله - تعالى -، ولذت له.

والإيمان الذي نتحدث عنه مرده للوحي الصادق؛ ولذا ابتدأ الإمام البخاري كتابه بكتاب الوحي، ثم الإيمان، ثم العلم؛ وذلك لعظيم فقهه في الدين، وقد بين بذلك أن مرد العلم والإيمان لكتاب الله ولسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز الرجوع في ذلك إلى علم الكلام أو الفلسفة.

والقرآن يطلق على معاني العقيدة والتوحيد وصف الإيمان، قال - تعالى -: كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشوري 52].

والعقيدة يُراد بها الحكم الجازم الذي يعقد الإنسان قلبه عليه بغير تردد أو شطط واصطلح كثير من العلماء على إطلاق اسم التوحيد على مجمل الأمور الذي يجب أن يعتقدها الإنسان، وهو الذي تضمنته كلمة - التوحيد-: «لا إله إلا الله»، والإيمان ثم القرآن هو منهج التربية المعتمد؛ وذلك لقول جندب بن عبد الله - رضي الله عنه - : «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً».

ولقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: «لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن». وتنزل السورة فنتعلم حلالها وحرامها وزواجرها وأوامرها وما يجب أن يوقف عنده منها، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحة الكتاب إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زاجره، وما ينبغي أن يوقف عنده منه، فينثره نثر الدقل».

وعلى الصائم أن ينظر: هل زاد إيمانه في رمضان أم نقص؟ وهل عظم يقينه أم قل؟ وإلا فرغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له.

تربية النفوس على تقوى الله ومراقبته

قال - تعالى -: يا أيها أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة 183].

فالغاية العظمى من الصيام تحصيل ثمرة التقوى، ومما اشتمل عليه هذا الشهر المبارك من التقوى كما يقول الشيخ السعدي في تفسيره.

1- أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحو ذلك من الشهوات التي تميل إليها نفسه متقربًا بذلك إلى الله راجيًا بتركها ثوابه فهذا من التقوى.

2- أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله - تعالى - فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه لعلمه باطلاع الله عليه.

3- أن الصيام يضيق مجاري الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبذلك يضعف نفوذه فتقل معه المعاصي.

4- أن الصائم تكثر طاعته والطاعة من خصال التقوى.

5- أن الغني إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء والمعدومين وهذا من خصال التقوى.

6- أن الصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصوم جنة». [زاد المعاد].

والتقوى هي ثمرة جميع الطاعات والعبادات، قال - تعالى -: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [البقرة 21].

وأصل التقوى كما بين الحافظ ابن رجب - رحمه الله -: أن يجعل العبد بينه وبين ربه وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه، وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.

قال الشيخ رشيد رضا- رحمه الله - في المنار: «وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله - تعالى - يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأناً، وأنصعها برهاناً، وأظهرها أثرًا وأعلاها خطرًا وشرفاً أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه إلا الله –تعالى-، وسر بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد غيره - سبحانه -، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرف له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع له لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ملاحظاً عند عروض كل رغبة له من أكل نفيس وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجة أو جمالها الداعي إلي ملابستها- أنه لولا اطلاع الله - تعالى -عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها، وهو أشد التوق لها، فلا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله - تعالى - والحياء منه - سبحانه - أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله - تعالى -، والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا ولسعادتها في الآخرة، كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضاً، انظر هل يقدم من ملأت هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟ هل يسهل عليه أن يراه الله آكلاً لأموالهم بالباطل؟ هل يحتال على الله في منع الزكاة؟ هل يحتال على أكل الربا؟ هل يقترف المنكرات جهاراً؟ هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبينه الله ستاراً؟ كلا، إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي، إذ لا يطول أمد غفلته عن الله - تعالى -، وإذا نسي وأَلم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الرجوع بالتوبة الصحيحة.

يقول - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف102].

فالصيام أعظم مربٍ للإرادة وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حراً يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبداً للشهوات، إنما روح الصيام وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة». ا. هـ.

ونحن بصيامنا لشهر رمضان كما أمر الله؛ كنا على رجاء حصول ثمرة التقوى، ونكون بذلك قد أخذنا لأنفسنا بسبب هو من أعظم أسباب النجاة من النار ودخول الجنة.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مُكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». [رواه مسلم].

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله - تعالى -، إلا بَاعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً؟ [رواه البخاري ومسلم].

أســـــاس الـتـقــوي

والتقوى لا تتم في هذا الشهر ولا في غيره إلا بعلم نافع وعمل صالح وأساس التقوى أن يعلم العبد ما يتقي، ثم يتقي، ولذلك يجب علينا أن نتعرف علي الواجبات والمستحبات في هذا الشهر الكريم ونتمثلها ونتعلم المحرمات والمكروهات، ونتباعد بأنفسنا عنها، بل لابد من إبلاغ الحق، تعظيماً لحرمات الله - جل وعلا -: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب [الحج 32].

وإلا فإذا كان العبد لا يحسن التقوى فربما صام عن المباحات ثم انتهك المحرمات فأطلق بصره وسمعه وسائر جوارحه في كل ما يغضب الله - تعالى -، وقد أصبح الشهر عند بعض الناس شهر الفوازير والعروض المستمرة للأفلام والمسلسلات، وهكذا حرص شياطين الإنس والجن على إفساد ثمرة التقوى في هذا الشهر.

فعلينا أن نتقي الله - تعالى -في السر والعلانية، ونعلم أننا سوف نقف بين يدي الله - سبحانه وتعالى -، وعلى تفريطنا سوف نندم وبأعمالنا سنجزى: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء 227].

ونحن في سفرنا إلى الله لابد لنا من زاد نتزود به للقاء الله - تعالى -، قال عز وجل: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ [البقرة 197].

فهو - سبحانه - أحق أن يُطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، ونحرص على ذلك في السر والعلن، ونستحيي من الله - تعالى -حق الحياء.

قال الإمام أحمد- رحمه الله -:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما يخفى عليه يغيب

واعلم أن تقواك لله - عز وجل - لن تتم ولن تكتمل حتى توفى العباد حقوقهم، وتعطي كل ذى حق حقه، وأن لربك عليك حقًا ولنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا، ولذلك ختم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصيته لمعاذ بقوله: «وخالق الناس بخلق حسن» وجماع حسن الخلق أن تعطي من حرمك وأن تصل من قطعك وأن تعفو عمن ظلمك، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم» [متفق عليه].

وبعدُ، فهذا غيض من فيض نفحات هذا الشهر الكريم، وما ينبغي أن يحرص عليه المسلم في رمضان ويتربى عليه من إيمان وتقوي ومراقبة لله - عز وجل - وإلا فثمرات الصيام أجل وأعظم من أن تحصر.

فاللهم عاملنا بما أنت أهله ولا تعاملنا بمن نحن أهله فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة، واجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم من النار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

         أضف تعليق