المشرف العام
التنمية الذاتية
دع الآخرين ليعيشوا
 
تمت الإضافة بتاريخ : 16/05/2017م
الموافق : 20/08/1438 هـ

دع الآخرين ليعيشوا

رشيد العطران

 ( عش ، ودع الآخرين ليعيشوا ).!

عبارة جميلة قرأتها للدكتور سلمان العودة يعالج من خلالها بعض النفوس التي لا يطيب عيشها إلا بالتعرض لعيش الآخرين، ولا يقر قرارها إلا بتنصيب محاكم التفتيش، وإصدار المقالات، وتدبيج الرسائل ضد كل من يخالفها، والتي كما ـ ذكر ـ تظن أن وجودها لا يعتبر إلا على أنقاض الآخرين، وأن نجاحها لا يكون إلا على تدميرهم، مع أن الفرص لتحقيق مكاسب إيجابية كثيرة ومتعددة، والله قد هيأ كل إنسان لما يناسبه: (اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له) وأما في الآخرة: ( ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة و مقعده النار ) حديث شريف.

يجتهد طرف من الناس على جعل مثل هذه التصرفات دفاعاً عن الدين ، وإحقاقاً للحق على المبطلين ، و تبياناً تبرء به ذمتهم من السؤال أمام رب العالمين ، وهذا اجتهاد حسن لو كان القصد هو النصيحة ، وهداية الخلق للحق ، لأن الرسالات السماوية من نوح وحتى محمد صلوات ربي وسلامه عليهم كانت مقاصد الهداية والرحمة واضحة فيها وبينة ، ومن قرأ حوارات الأنبياء في سورتي الأعراف وهود أيقن أن التنفير شريعة أعداء الرسل والرسالات ، وعلم أن القلوب الرحيمة هي التي تستحق أن تكون حاملة للرسالة : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .

لا مجال في الحياة للمأزومين، ولا للمندفعين والمتحمسين بتهور دون ضوابط وقيود! الحياة طبيعة جميلة لا تتحمل القبح والقبائح! الآراء الجميلة تخلد، المواقف النبيلة تبقى، اللمسات الحانية تؤرخ، الكتاب النافع يقرأ، البرنامج الناجح يشاه، التغريدة الصادقة تطير وتحلق..أما التأزم النفسي، والانفعال الوجداني الغير مرشد؛ فإنه يؤثر على رأي الإنسان وتصرفاته وتوجهاته، ويجعله ـ مهما برر لنفسه ـ دائم التحسر على مواقفه، كثير التأوه من بعض مقالاته، وإن ذكر فعلى سبيل العبرة والاتعاظ، لا على سبيل الاقتداء والاهتداء، المؤسف أنه قد يشكو من هذه الحال، لكنه لا يبادر في التغيير والتبديل، العادة جعلته أسير التأوه والتوجع، وهذه عقوبة معجلة لا بد منها، وفي الحديث: ( عقوبتان معجلتان : البغي، وعقوق الوالدين )  البغي : الظلم.

 الظروف التي نعيشها اليوم على مستوى العالم العربي والإسلامي تحتم علينا أن نعالج المتأزمين من أنفسهم، والمتبرمين ممن حولهم، بل وتحتم علينا أن نجلس معهم عن قرب، ونتفهم سبب حنقهم على مجموع الأمة، وعلى فكرة التأزم ليس عيباً ذاتياً، التأزم نتيجة مدخلات خاطئة (التعبئة الخاطئة) أو أفكار مغلوطة (القراءة الفوضوية) أو ضغوط نفسية يتلقاها الإنسان في بيئته ومجتمعه، لكنه يصبح عيباً خلُقياً حين يصر الإنسان على عدم الانفكاك منه رغم وجود الفرصة المعينة على الخروج من قوقعته المظلمة!

التعايش مع النفس ومع الآخرين أول خطوة ينبغي أن يدركها المتأزمون والمتبرمون، ويتبع ذلك أن يعلموا أن زمن العصمة للبشرية قد ولى وذهب، وعليه فإن المثالية المنتفخة التي يطالبون الأمة بها مثالية مخالفة للعقل وناموس الشرع والكون بأكمله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به..الآية) وكل ابن آدم خطّاءٌ: (وخير الخطائين التوابون ) ( وإن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) و ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) فهل بعد هذا تصح مثالية الجمود وعدم الحركة أمام نصوص تؤكد أن الزلل والخطأ سهواً أو عمداً قدر ماضٍ ، والله يعصم من يشاء بفضله ، ويضل من يشاء بعدله .؟

عش حياتك ، ودع الخلق للخالق ، لا تفتش عن خبايا مستورة ، ولا تكشف عورة محفوظة ، لا تجسس ولا تحسس، لا تكن مهذاراً ( تصف وتشف ) بلسانك قدحاً وجرحاً ، داوِ نفسك ، علمها الحقوق ، دربها على الآداب ، الهمها التأمل والتفكر في جماليات هذا الكون ، روض الحياة على أن تكون إيجابية معك ، يشهد لك سهلها وجبلها بلين عريكتك ، وطيب معشرك ، تبرم من فظاظتك وغلظتك ، لا تتلمس لذلك الأعذار ، والعم أن المعرفة الحقيقية هي معرفتك بنفسك ، ومعرفتك بنفسك طريق معرفتك لمن حولك، والنفوس التي تجهل من هي ومن تكون ، هي ذاتها التي تجهل كل هذا الكون .! الحياة نفس تعرف، ومعرفة للنفس!

حبلنا موصول ..

         أضف تعليق