المشرف العام
الداعية الصغير
قيمة الوفاء
 
تمت الإضافة بتاريخ : 11/05/2017م
الموافق : 15/08/1438 هـ

قيمة الوفاء

محمود زقزوق

   من القيم الهامة التى لها أثرها العميق ودورها الكبير فى حياة الناس أفراداً وجماعات وأمماً وشعوباً قيمة (( الوفاء )) . ولم يكن العرب قديماً على صواب حينما جعلوا الوفاء ، وبخاصة فى محيط الأصدقاء ، من بين المستحيلات الثلاثة التى قصدوا بها الغول والعنقاء والخل الوفى . فهذه نظرية تشاؤمية لا تليق بالإنسان من حيث هو إنسان ، ولا يجوز تعميمها على هذا النحو بناء على بعض خبرات فردية لا ترقى إلى أن تكون قاعدة عامة .

   وانطلاقاً من الأهمية القصوى لقيمة الوفاء فى بناء العلاقات الإنسانية بين الأفراد والجماعات وعلاقات الشعوب بعضها مع بعض اهتم الإسلام بها إهتماماً لا حدود له . وقد جاء استعمال مفهوم الوفاء فى القرآن الكريم على أنحاء مختلفة . فتارة يأتى وفاء بعهد الله ، وتارة وفاء بالعهد على نحو مطلق وعام ، وتارة يأتى وفاء بالعقود ، أو وفاء فى الكيل والميزان ، أو وفاء بالنذر ، كما يأتى فى مقابل نقض المواثيق .

   وهذا يدلنا على اتساع مفهوم الوفاء . فليس الأمر يتعلق بعلاقة بين صديقين فحسب ، وإنما الأمر يشمل جميع العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ، ويتجاوز الدائرة الضيقة بين فردين إلى دائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها .

   ويدخل فى إطار الوفاء المطلوب الوفاء لماضى الأمة وتراثها وتاريخها . فلا يجوز للمرء أن يتنكر لماضيه ، فالذى ليس له ماض لا مستقبل له . ولسنا نعنى بالوفاء لماضى الأمة وتراثها تقديس هذا الماضى وتبرئته من كل العيوب ، وإنما المقصود هو ألا يفصل المرء بين يومه وأمسه ، فالزمن حلقات متصلة . ومن أجل ذلك لا يجوز أن تكون هناك قطيعة مع هذا الماضى لأنه يشتمل على الجذور ، وفصل جذور الشجرة عن ساقها يميتها . الوفاء للماضى إذن يعنى الحفاظ على الهوية وتنمية الإيجابيات التى يشتمل عليها الماضى وتجنب السلبيات ، بالإضافة إلى مراعاة متغيرات العصر . وهذا ما يمكن أن نطلق عليه الجمع بين الأصالة والمعاصرة .

   ويدخل فى مفهوم الوفاء أيضاً الوفاء لعلماء الأمة ومفكريها وعظمائها ممن قدموا للوطن خدمات جليلة . والوفاء لهم يكون بإحياء ذكراهم والاعتراف بفضلهم ، وتعريف الأجيال الجديدة بجهودهم وتضحياتهم وعطائهم . وبذلك نقدم لهذه الأجيال نماذج مشرقة يقتدون بها ، ويحذون حذوها فى البذل والعطاء مما يعود بالخير على الوطن والمواطنين .

   ويرتبط الوفاء فى التصور الإسلامى بالصدق والتقوى . ومن هنا جاء حديث القرآن الكريم فى وصف الموفين بعدهم والصابرين بأنهم الذين صدقوا وبأنهم المتقون : {أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} سورة البقرة : 177. وإذا كان الوفاء بالحقوق والعهود والمواثيق أمر يحتمه الإسلام فإنه لا يفرق فى هذا الصدد بين المسلمين وغير المسلمين . فالقيم لا تتجزأ ولا يجوز أن تطبق بطريقة انتقائية .

   ومن الطبيعى أن يكون الوفاء علاقة تبادلية . فكما تتوقع منى أن أكون وفياً معك يجب أن تكون وفياً معى أيضاً ، وإلا فمن غير المنطقى ومن غير المعقول أن تطلب من الآخر أن يكون وفياً لعهودك وفى الوقت نفسه لا تفى أنت له بعهد ولا ذمة . وفى ذلك يقول القرآن : {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} سورة البقرة: 40 .

   ويضع القرآن الكريم أمامنا أسمى نموذج فى الوفاء متمثلاً فى وفاء الله بعهده لعباده : {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ } سورة التوبة : 111 . فليس هناك فى حقيقة الأمر من يستطيع الوصول إلى هذه المرتبة العليا فى الوفاء المطلق . ولكن ليس معنى ذلك ألا نبذل قصارى جهدنا فى السعى الحثيث نحو الوصول إلى هذه الغاية . فالمثل العليا تمثل بالنسبة لنا نماذج قصوى ينبغى أن نسير على هداها وأن نقتدى بها فى سلوكنا وفى كل ما يصدر عنا من أقوال وأفعال .

   والقيمة السلبية المقابلة للوفاء هى الغدر والجحود ، ونكران الجميل ونقض العهود والمواثيق . ومن هنا جعل النبى عليه الصلاة والسلام خلف الوعد وعدم الوفاء به علامة من علامات النفاق [1] ، بل يصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بانتقاء صفة الدين عمن لا يفى بعهده – كما جاء فى الحديث الشريف – [ لا دين لمن لا عهد له ] [2] .

ومن شأن عدم الوفاء على النحو المشار إليه أن يدمر العلاقات بين الناس أفراداً كانوا أم جماعات .

   صحيح أن البشر ليسو ملائكة ، ولا يمكن أن نكون من السذاجة بحيث نعتقد أن المجتمع – أى مجتمع – يخلو من الشر ومن الأشرار . ولكن المبالغة المفرطة فى هذا الصدد غير مقبولة ، ومن شأنها أن تهدم العلاقات الإنسانية ، وتجعل كل فرد ينظر إلى الآخر نظرة توجس وخوف ، كما نجد ذلك عند الفيلسوف الإنجليزى (( توماس هوبز )) الذى ذهب إلى القول بأن (( الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان )) وأن (( الكل فى حرب ضد الكل )) صـ16 كتاب قيم منسية .

   وإذا كان الإسلام حريصاً على الوفاء بالعهود بين الله والعباد فإنه حريص أيضاً بنفس القدر على الوفاء بالعهود بين الأفراد والجماعات ، وبين الأمم والشعوب حتى يعم الأمن والسلام والاستقرار المجتمع كله ، ويسود الوئام بين الناس . فلا يمكن أن يتصور المرء مجتمعاً مستقراً وآمناً دون أن يكون هناك وفاء ، أى التزام أخلاقى بين الناس من شأنه أن يبعث الثقة فى النفوس والاطمئنان فى القلوب حتى ينصرف الناس إلى أعمالهم وتحمل مسئولياتهم فى مناخ يتفق مع إنسانية الإنسان .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ـ رواه البخارى فى كتاب الإيمان باب24

[2] ـ الأحاديث المختارة للإمام أبى عبدالله المقدسى ج7/224 – حديث رقم 2663

         أضف تعليق