المشرف العام
المناهج
حديث القرآن عن الإسراء
 
تمت الإضافة بتاريخ : 27/03/2017م
الموافق : 29/06/1438 هـ

حديث القرآن عن الإسراء

حسام العيسوي إبراهيم

الإسراء والمعراج من المناسبات المهمة، التي ينبغي للمسلم أن يقف معها، وأن يعيش بها، فالله- تبارك وتعالى- خلد ذكرها في القرآن الكريم؛ لما لها من دروس وعبر، ومن معان حية، متجددة على مر الأزمان والعصور، فكيف تحدث القرآن الكريم عن هذه الحادثة؟ ما هي الإشارات والدروس المباركة، التي يستطيع المسلم أن يأخذها من هذه الآيات؟

في أول لفظة قرآنية للحديث عن الإسراء، يقدمها الحق -تبارك وتعالى- بالتسبيح والتنزيه، وهذا إن كان يدل على شيء فإنه يدل على: قدرة الله وعظمته وكبريائه، فهو يعطي للأذهان حينما تقرأ تفاصيل الحدث من أول وهلة، أن تضع نصب عينيها عظمة الله وتنزيهه عن مشابهته للمخلوقين. فلو وضع الإنسان نصب عينيه هذا الأمر، لفسره من منطلق هذه القدرة الخارقة، والعظمة الممتدة، والتي لا يشابهها قدرة ولا إرادة.

والمعنى الثاني الذي نفهمها من هذه البداية: أنها رسالة للنبي- صلى الله عليه وسلم - ولكل صاحب حق، ولكل صاحب رسالة ومنهج، لا يغرنكم تأخير الإجابة عنكم، فهذا ليس لهوانكم علي، ولكنه لمعان عظيمة أحببت أن تكون سمة لنفوسكم الطيبة، وأخلاقكم الرفيعة، ولذلك لا تيأسوا، فكل شيء بمقدرة الله، لا يغلبه شيء في الأرض ولا في السماوات.

والمعنى الثالث: هو رسالة لكل ظالم، لا يغرنك ظلمك، ولا تنسيك قدرتك قدرة الله عليك، فإنه لا يعجزة خلق من مخلوقاته، ولا تقارب قدرة- مهما بلغت- قدرة الله وعظمته.

فهذه اللفظة التي ذكرها الحق- تبارك وتعالى- تعطي ثباتاً للقلوب المؤمنة، وأملاً للنفوس المطمئنة، فالله معكم، ولن يغفل عنكم، فأنتم عباد الرحمن، وجند الحق في الأرض.

لفظ العبودية بين الإنسان وأخيه لفظ مشين، جاءت رسالة الإسلام للتخلص منه ومحاربته؛ لكنها بين الإنسان وربه، مرتبة عظيمة تطوق إليه القلوب السليمة، والفطر الصحيحة، والنفوس الزكية. فالله يبين العلاقة بينه وبين نبيه- صلى الله عليه وسلم - أنها قائمة على العبودية الكاملة، الخاضعة، والمسلمة لله في حكمه، الراضية بأمره، المتبرئة من حولها وقوتها إلى حول الله وقوته.

يقول ابن القيم في مقام العبودية: " والله - تعالى- جعل العبودية وصفَ أكمل خلقه، وأقربهم إليه، فقال: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً) [النساء: 172]، وقال: (إن الذين عند ربك لا يستنكفون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) [الأعراف: 206]، وقال: (واذكر عبدنا أيوب)[ص: 41]، وقال: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب)[ص: 45]، ووصف أكرم خلقه عليه، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته، فقال - تعالى-: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا)[البقرة: 23]، وقال- تبارك وتعالى-: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده)[الفرقان: 1]، وقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)[الكهف: 1]، فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه، وفي مقام التحدي بأن يأتوا بمثله، وقال: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً)[الجن: 19]، فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه، وقال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً)[الإسراء: 10]، فذكره بالعبودية في مقام الإسراء، وفي الصحيح عنه- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله))، وفي الحديث: (( أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد))، وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: "قرأت في التوراة صفة محمد- صلى الله عليه وسلم -: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظٍ ولا غليظٍ، ولا ضخّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر"، وجعل الله - سبحانه- البشارة المطلقة لعباده، فقال - تعالى-: (فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)[الزمر: 18، 17]، وجعل الأمن المطلق لهم، فقال - تعالى-: (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * الذي آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين)[الزخرف: 69، 68]، وعزل الشيطان عن سلطانه عليهم خاصة، وجعل سلطانه على من تولاه وأشرك به، فقال: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)[الحجر: 42]، وقال: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون)[النحل: 100، 99].

هكذا مقام العبودية هو أفضل المقامات التي يتصف بها العبد، فاللهم اجعلنا من عبادك الصالحين.

إن الله- تبارك وتعالى- ربط بين المسجدين - المسجد الحرام والمسجد الأقصى- لعلل ومقاصد، ينبغي للمسلم أن يقف عندها، فمن هذه العلل والمقاصد:

- أهمية المسجدين، فالأول هو قبلة المسلمين، والثاني هو القبلة الأولى، ولا يخفى ما بينهما من صلة روحية، فالاثنين حرم تشد إليه الرحال، وكلاهما من المقدسات الإسلامية.

- لفت انتباه للمسلمين، أن المسجد الأقصى في فلسطين هو بقعة إسلامية خالصة، لا يجوز التفريط فيها، والإثم كل الإثم لمن لا يساهم في تحريره من اليهود الغاصبين.

- والعبرة الثالثة: أن الأمة الإسلامية تسلمت لواء العالم، وأصبحت شاهدة على الناس، فعليها دور في نشر الخير والسلام في أرجائه، وهي المسؤولة عن رعايته، فالإمام مسؤول عن رعيته.

فلا غرو بعد ذكر ذلك أن يوصينا النبي- صلى الله عليه وسلم - بالمسجد الأقصى، وضرورة الحفاظ عليه، وأهمية الصلاة فيه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تشد الرواحل إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)) [رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة]، وعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: (( لما فرغ سليمان بن داود- عليه السلام - من- بناء بيت المقدس- سأل الله –عز وجل- ثلاثاً: أن يؤتيه حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأنه لا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: " أما اثنتان أُعطيهما، وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة)) [رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجة واللفظ له، وابن خزيمه وابن حبان في "صحيحيهما" والحاكم أطول من هذا، وقال: صحيح على شرطهما، ولا علة له].

ذكر الحق- تبارك وتعالى- قصة بني إسرائيل- في إطار حديثه عن الإسراء- وبنوا إسرائيل من أكثر القصص التي ذكرت في كتاب الله؛ لأنهم أكثر الأقوام تكذيباً لأنبيائهم.

وقد ذكر الحق- تبارك وتعالى -أنهم قد اختارهم على عباده بقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) [الدخان: 32]، ولكن جزاءً لتكذيبهم، وقتلهم أنبياءهم استحقوا لعنة الله والبعد عنه، فقد قال - تعالى-: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً)[النساء: 155]،.

وقد ذكر الحق- تبارك وتعالى -قصة بني إسرائيل في هذه الآيات تذكيراً للمسلمين بهم، وترغيباً لهم في الاستمساك بدينهم- دين الإسلام- واتباع رسولهم- صلى الله عله وسلم- وأخذ الدروس والعبر منهم، ومن هذه الدروس التي ذكرتها الآيات:

- العبودية والشكر سبب في تقريب الإنسان من ربه، وسبب في ثناء الله على الإنسان، كما أثنى على نوح- عليه السلام-.

- أن العدل المطلق هو ميزان الله- عز وجل- فالصالح يعامله بصلاحه، والمسيء يجازى بإساءته، قال - تعالى-: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)[جزء من الآية 7 سورة الإسراء]، وقال - تعالى-: (فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)[الزلزلة: 8، 7]،.

- في الآيات بشرى للمسلمين بفتح بيت المقدس، قال - تعالى-: (فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة)[جزء من الآية 7 سورة الإسراء]،.

هكذا هو حديث القرآن الكريم عن الإسراء، ندعوا الله- عز وجل- في هذه الذكرى العطرة، أن يحرر المسجد الأقصى، وأن يرزقنا صلاة في رحابه وشهادة على أبوابه، إنه نعم المولى ونعم النصير.

         أضف تعليق