المشرف العام
التنمية الذاتية
نظرية اكتساب اللغة وتعلمها
 
تمت الإضافة بتاريخ : 19/10/2016م
الموافق : 18/01/1438 هـ
fiogf49gjkf0d

نظرية اكتساب اللغة وتعلمها

هاجر الملاحي

تُعَدُّ نظرية اكتساب اللغة وتعلُّمها، من أهم الإشكالات التي عرَفتْها الساحة العلميَّة اللغوية والاجتماعية؛ فقد توسع نطاق اهتمامات علوم اللغة الحديثة، ولم يعد الأمر مقتصرًا على الجوانب النظرية والتحليلية - كما كان في السابق - بل تعدَّاه إلى ظهور علوم تطبيقيَّة تعتمد الملاحظة والتجارِب والتطبيقات الفعَّالة في الواقع المحسوس الملموس، ومن بين هذه الاهتمامات التي شملتها العلوم اللغوية: دراسة نمو الطفل اللغوي، ودراسة مشاكل النطق والتخاطب ومهارات الاتصال اللغوي، وكل الموضوعات التي تربط اللغة بالمجتمع.

وسنتطرق في هذا المقام بإذن الله إلى بعض النظريات التي تفسِّر اكتساب اللغة وتعلُّمها؛ وهي:

• النظرية السلوكية.

• النظرية الفطرية البيولوجية.

• النظرية البنائية.

• النظرية التفاعلية.

• النظرية البيئية.

فما المقصود بنظرية اكتساب اللغة؟

اللغة: "أصوات يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم"؛ ابن جني (392 هـ)، ويعرفها كنتت بايك "kenneth pike": أنها سلوكٌ، ووجه من وجوه النشاط البشري الذي يجب ألا يعاملَ في جوهره منفصلًا عن النشاط البشري"، وعند همبلوت هي: "إنتاج فردي واجتماعي في آنٍ واحد، وهي شكل ومضمون، وآلة وموضوع، وهي نظام ثابتٌ، وصيرورة متطورة، وظاهرة موضوعية، وحقيقة ذاتية".

اكتساب اللغة acuisition language: هي عملية علميَّة يستطيع الفرد من خلالها امتلاك قدرة خاصَّة على استقبال واستيعاب اللغة الأم الأولى لدى الأطفال، أو اكتساب اللغة الثانية والتعاطي معها.

أقسامها:

1- اكتساب اللغة غير اللفظية: تتمثَّل في أولى صرخات الطفل المولود، والتي تشهد تطوُّرًا سريعًا لتصبح وسيلةً للتواصل بين الطفل والآخر (الأم)، وتساعده على التعبير عن حاجاته الأساسية من أكل وشرب، ورغبة في النوم، والشعور بالألم ...

2- اكتساب اللغة اللفظية: تتطوَّر المرحلة الأولى عند الطفل في الحالات العادية عند بلوغه خمسة عشر شهرًا (حتى عام ونصف)؛ لينطق بعض الألفاظ العشوائية.

ولقد حاول علماء النفس واللغة صياغة مجموعة من الفروض والنظريات المختلفة حول موضوع كيفية اكتساب اللغة، وتتراوح هذه الفرضيات بين أسباب بيولوجية وأخرى سلوكية، كلية، بيئية ...

أولًا: النظرية السلوكيَّة:

من أهم أعلامها "واطسون" و"سكيينر" و"بوهاثون"، ظهرت هذه الأخيرة في منتصف القرن العشرين ثورةً على علم النفس التقليدي، وتنطلق من فرضية أساس، مُفادها: أن السلوك اللغوي هو سلوك مكتسَب بالدرجة الأولى، فاللغة عند الطفل في مراحله الأولى تُكتسَب من خلال المحيط والبيئة، وهي عبارة عن مجموعة من الصور التي تؤخذ من تقليد الكبار (imitation)، أو عن طريق التَّكرار répétition.

وسنأخذ نموذجًا Pavlov كما أورده بعض الدارسين:

"En 1890pavlov fait une expérience avec des chiens:un chien qui salive quand on lui présente de la poudre de viande salivera par réflex dés qu’il entendre le tintemant de la clochette qui était associée à chaque fois qu’on lui présentait la poudre de viande."

يشير هذا المثال إلى العلاقة الكامنة بين كل من التحفيز S (المثير)، والاستجابة R، ونعبر عن هذه العملية بالرمز: SR.

أدَّت هذه التجربة إلى ظهور ما يسمَّى بعملية الإشراط الكلاسيكي نهاية القرن التاسع عشر، فقد اكتشف "بافلوف" من خلال تجربته أن كلبه يستجيب عبر سيلان لُعابه بمجرد سماعه مثير (الجرس)، والتجربة على الشكل الآتي:

1- إعطاء الكلاب الطعام، وقياس كمية اللعاب.

2- إسماع الكلاب صوتَ جرس معين قبل تقديم الطعام في كل مرة.

3- تَكْرار العملية مدة معية؛ الجرس يعني: الطعام.

3- المرحلة الأخيرة من التجربة: قام "بافلوف" بإسماع صوت الجرس للكلاب دون تقديم الطعام، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك سيلان لعاب الكلاب توقُّعًا منها لوجود وجبة الطعام.

• وقد حاول Skinner تعزيز نظرية SR، وطبق هذه التجربة على أنواع متنوعة من الحيوانات؛ كالفئران والحمام، ليؤكد أن السلوك مكتسَب، وعبارة عن مثير واستجابة؛ ليطوِّر النظرية الأولى، وتظهر نظرية التعلم الشرطي الإجرائي.

ثانيًا: النظرية الفطرية، أو النظرية البيولوجية Biologic Theory:

ويطلق عليها في العالم العربي تسميات متعددة؛ كنظرية تحليل المعلومات، النظرية العقلية النفسية، النظرية التوليديَّة التحويلية، وكل هذه المسميات تدور فيما أسماها تشومسكي القدرة اللغوية Competence؛ أي: تلك القدرة والفطرة التي منحها الله سبحانه للإنسان فاستطاع بها توليد عدد غير محصور من العبارات والتراكيب اللغوية.

فحسب هذه النظرية: فإن الأفراد يُولَدون وهم يمتلكون آليات لاكتساب اللغة وتعلُّمها، وذلك عبر اشتقاقهم لأبنية وقواعد مختلفة منذ الصغر، فاللغة هنا مجموعة من الأنظمة النحوية الصرفية، الصوتية والدلالية، تعتمد التواصل والاتصال، فالأطفال يستطيعون التفوُّهَ بجُمل جديدة يعتبرها الكبار سليمة الصياغة well formed دون أن يسمعوا بها قبل ذلك، ويفسر تشومسكي ذلك بقوله: إن الإنسان يولد بملكة فطريَّة ذات استعداد لاكتساب وتطوير اللغة، فالطفل بمجرد تلقِّيه للغة فهو يستعمل مبادِئها وقواعدها بشكل تلقائي، وهذا ما يخوِّل له التوصُّل إلى الكفاية اللغوية (المعرفة بتنظيم قاعدي بالغ التعقيد يؤهله لتعلم اللغة) في مدة زمنية قصيرة نسبيًّا.

إن مهارة اكتساب اللغة الأساسية في النظرية الفطرية عند الأطفال، وفي مختلف اللغات، هي مهارة واحدة رغم اختلاف الأجناس: (فيسيولوجيًّا، بيولوجيًّا)؛ فجميع الأشخاص يتمتَّعون بخصائص بيولوجية واحدة، تتغير مع مرور الزمان.

ثالثًا: النظرية الجشطالتية: Gestalt، اسمها الحقيقي "الجشطلتية بوشبشوب رر":

ظهرت في العقد الثاني من القرن العشرين في ألمانيا، ونظرت لها بحوث فرتهيمر 1912م، وأعمال كوفكا وكوهلر، وكذا Wertheiner.

وهي كلمة ذات أصل ألماني، ترجمت بالحرف الواحد، ولا مرادفَ لها في أغلب لغات العالم؛ تعني: الكل، أو الجسم الكلي، وثارت على الثنائية الديكارتية التي تقسم العقل إلى جزيئات أولية من الأحاسيس والصور، وتمرَّدت كذلك على الفرويدية أو علم النفس التحليلي، وعلى المدرسة السلوكيَّة.

ترى هذه النظريةُ أن اللغة تُتعلَّم بشكل كلي، وليس بمجموع أجزاء، فالطفل يجب أن يتعلم الكلمات والجمل، ثم الحروف ثانيًا، وليس العكس كما هو شائع.

إن هذه النظرية تتمحور حول مبدأ: "الكل يسبق الجزء"، فالضرورة تحتم على الموضوع في جملته، وبعد ذلك عرض الأجزاء تلو الأجزاء.

وتقوم هذه النظرية على مفاهيم متنوعة من قبيل:

الاستبصار: كلُّ ما يؤدي إلى اكتساب الفهم في كل الأبعاد ومعرفة الترابطات بين الأجزاء وضبطها.

الدافعية الأصلية: تعزيز التعلم لا يكون مصدره خارجيًّا، بل هو نابع من الداخل.

الفهم والمعنى: يتحقق التعلم عند تحقق الفهم، الذي هو كشف جميع العلاقات المترابطة بالموضوع، والانتقال من الغموض نحو الوضوح.

أما أهم مبادئها، فهي:

• الاستبصار شرطٌ للتعلُّم الحقيقي.

• التعلُّم يقترن بالنتائج.

• التعزيز الخارجي عاملٌ سلبي في التعلُّم.

• الحفظ والتطبيق الآلي للمعارف تعلُّم خاطئ.

رابعًا: النظرية البنائيَّة:

جاءت ثلة من النظريات الحديثة، وعلى رأسها البنائية؛ لدحض مجموعة من المفاهيم التي شاعت في مختلف المجموعات، ويتعلَّق الأمر بطريقة تعلُّم اللغات واكتسابها، فالتعلم الحقيقي لا يتم بناء على ما سمعه المتعلم وكرَّره، بل إن المعلومات تبنى داخليًّا، وذلك بمساعدة البيئة والمحيط والمجتمع واللغة.

إن جذور النظرية البنائيَّة - حسب بعض الدارسين - تعود إلى عصور قديمة جدًّا، فقد تبناها كل من أفلاطون وأرسطو (320 -470 ق.م).

• يعرِّف المعجم الدولي للتربية ' البنائية' Contructivism، بأنها: "رؤية في نظرية التعلم ونمو الطفل، قوامها أن الطفل يكون نشطًا في بناء أنماط التفكير لديه؛ نتيجة تفاعل قدراته الفطرية مع الخبرة"، ويعرفها فلاسر سفليد Glasserrfled، بكونها: نظرية معرفية تركز على دور المتعلِّم في البناء الشخصي المعرفي.

إن تبلور هذه النظرية في عصرنا الحديث - رغم قدم نشأتها - كان على يد منظرين كبار كبياجيه Piaget، وأوزبل Ausubel، وغيرهم.

اعتبر بياجيه واضع أسس البنائية، ويفترض أن المعارف عبارة عن أبنية عقلية منظمة داخليًّا، تمثل قواعد للتعامل مع المعلومات والأحداث، ويتم عن طريقها تنظيم الأحداث بصورة إيجابية، والنمو المعرفي، بالاعتماد على الخبرة.

ومن أهم مفاهيم النظرية البنائية عند "بياجيه":

التكيف: قدرة الإنسان على التكيف مع خبرةٍ ما، والتلاؤم معها، ويضم هذا المفهوم عنصرين، هما: التمثيل، والمواءمة.

التمثيل: هو العنصر الأول للتكيف، بمعنى: تلاؤم المثيرات الخارجية مع التراكيب العقلية الداخلية للفرد.

المواءمة: التضمين، وهو العنصر الثاني لعملية التكيف، وعكس التمثيل، فالفرد في هذه الحالة يغير نفسه لتتكيف مع العالم الخارجي.

التوازن: التفاعل بين الفرد والبيئة.

التنظيم: اتجاه فطري يقوم بربط الصور بشكل أكثر كفاءة.

• إذًا التعلم واكتساب اللغة حسب هذه النظرية، بناء وإبداع مستمر.

خامسًا: النظرية التفاعلية Interactionist Theories:

تحاول هذه النظرية الدمج بين مجموعة من النظريات، فالعواملُ التي تؤثِّر في قدرة الطفل على اكتساب اللغة ليست واحدةً، بل إن كلًّا من العوامل الثقافية، الاجتماعية، البيولوجية، والمعرفية، تتشكل في قالب واحد، وتشكل اللغة الأولى عند الأطفال.

• يُمْكنَّا تسمية هذه النظرية بـ"التوفيقية"؛ لمحاولتها الجمع بين السلوكية والفطرية، إن هذه النظرية حسب بعض الدارسين كفوهانون وزملائه تعتمد على عناصر داخلية وأخرى خارجية، وتتفاعل فيما بينها.

سادسًا: النظرية البيئية:

تكون نشأة اللغة وتطورها ضمن المحيط البيئي والاجتماعي الذي تعيش فيه، وبعد تفاعل هذه العوامل الخارجية يحصل السلوك اللغوي الذي يؤدي بالضرورة إلى تعلُّم اللغة واكتسابها، ومن أبرز مؤيدي هذا الموقف "السلوكيون".

إن اكتسابَ اللغة نوعٌ من أنواع التعلُّم، لا يختلفُ عنها في شيء؛ وذلك لأنها تخضع لقواعد ومبادئ التعلم؛ كالمحاكاة، الثواب، العقاب، التعزيز ...

وقد عرَفت هذه النظرية انتقادات لاذعة، خاصة من طرف الباحث McNeil؛ لأنهم لم يفسِّروا ظاهرة الابتكار اللغوي عند الأطفال من العامين إلى خمس سنوات؛ فالطفل العادي في هذه المرحلة يتمكَّن من اكتساب وصياغة جمل وقواعد لغوية جديدة لم يسمعها في محيطه الاجتماعي قط.

خاتمة:

يرى ابن خلدون أن اللغات جميعها ملَكات شبيهة بالصناعة؛ أي: إن اللغة تُتعلم كما تُتعلم صناعة ما، والمَلَكة هي مهارة ثابتة تُكتسب عن طريق التعلُّم، وقد عرَّفها بأنها: صفة راسخة يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم، وتَحْدُث هذه الملكة عن طريق التَّكْرار والممارسة، قال ابن خلدون يشرح معنى الملَكة: "والمَلَكات لا تحصل إلا بتَكْرار الأفعال؛ لأن الفعل يقع أولًا، وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالًا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التَّكرار فتكون ملَكةً؛ أي: صفة راسخة".

وقد كان للعرب أيضًا إسهامات قيمة في هذا الصدد، فمنهم من يرى أنها مكتسَبة؛ كنصِّ ابن خلدون الذي ذكرناه سالفًا، ويورد بعض الباحثين لتعليل ذلك قوله تعالى في سور البقرة الآية 31: ? وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ? [البقرة: 31].

ومنهم من يرى أنها فطرةٌ وهبها الله للإنسان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه))، فالفطرة تصدق هنا على الدين الإسلامي كما تصدق على اللغة.

أخيرًا: إن الحسم في موضوع اكتساب اللغة يظل أمرًا بالغَ التعقيد؛ فهي ليست مجرد خصوصية التميز على الحيوانات، بل هي صورة تكون الإنسان باعتباره إنسانًا.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق