المشرف العام
التنمية الذاتية
الحوار الهادئ والتفاوض البناء
 
تمت الإضافة بتاريخ : 27/08/2016م
الموافق : 24/11/1437 هـ
fiogf49gjkf0d

الحوار الهادئ والتفاوض البناء

بقلم د. حبيب زين العابدين

أصبح التفاوض البناء من الأمور التي لها دور كبير في حياة الأمم في هذا العصر ، حيث وجد الناس أن كثيراً من المشكلات التي كانت تحل في العصور السابقة بالقوة وليّ الذراع دون اقتناع الأطراف المختلفة ، أمكن اليوم إيجاد حلول لها غير الحل المعتمد على السلطة أو فرض الواقع ، وشملت المفاوضات في العالم الغربي اليوم معظم الأنشطة السياسية والإقتصادية والاجتماعية ، وغدا التفاوض علماً من العلوم التي تدرس في الجامعات ويدرب عليه الأفراد وأصبحت له قواعد وأنظمة وأسس ومهارات .

والناظر في حياتنا اليوم يرى حاجة ماسة إلى تطبيق هذا الفن في مجتمعاتنا ، فكم من مناقشات تتم على مختلف المستويات لا تنتهي نهاية حسنة ، أو لا تؤدي الغرض المطلوب منها ، أو ربما أدت إلى نتيجة عكسية لما هو مطلوب منها لأن المتناقشين لا يجيدون فن التفاوض .

ومن الأمثلة البسيطة على ذلك ، الحوار الذي يجري عادة بين الزوج وزوجته في الحياة اليومية ، والزوجان المثاليان ، هما اللذان يتمكنان من إدارة حوارهما بالشكل الذي لا يؤدي إلى الخلافات الزوجية المستمرة ، وقد نجح بعض الكتاب الغربيين نجاحاً باهراً ، وأثروا عندما أعدوا بعض الكتب التي تقدم للأزواج وصفات في كيفية الحوار والنقاش والتعامل دون الحاجة إلى جرح الطرف الآخر أو إهانته ، مع وجود الإمكانية للوصول إلى الحلول الإيجابية التي ترضي الطرفين وهي أهم مزايا الحوار البناء .

ومن الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا الصدد المناقشة التي تتم عادة بين جندي المرور وأحد المواطنين عند حدوث مخالفة ، فهي لا تنتهي عادة نهاية طيبة ، فنرى الإثنين يحتدان ويختصمان ، وربما تغلب رجل المرور على المواطن بأن جعله يذعن لرأيه وينقاد لتصرفه ، ومع ذلك فهذا لا يعني من وجهة نظر الخبراء التفاوض أنه نجح في مهمته ، وإنما يتحقق النجاح المنشود عندما يستطيع جندي المرور أن يستوعب المواطن ، وينصت إليه وهو يشرح وجهة نظره ، ثم يبين له موطن الخطأ محاولاً إرشاده بالحسنى إلى ما ترمي إليه أنظمة المرور من وراء إيقاع المخالفة ، وهذا يخلق الوعي المروري المطلوب عند المواطن ، ويجعله يخجل من نفسه ويفكر ألف مرة قبل أن يقدم على أي مخالفة جديدة .. فرجل المرور هو صاحب السلطة وهو الذي ينشد المصلحة العامة وعليه أن يتحمل عبء التصرف الحسن .

وكذلك الأمر بالنسبة لرجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فليس المقصود من عملهم أن يقوم الناس بالمعروف وأن ينتهوا عن المنكر قسراً وخوفاً من شخص من الناس ، وإنّما الأصل أن يقوم الناس بتحقيق هذا الدين في حياتهم عن إيمان بالله ودينه وشرعه ، فكم نحن بحاجة في زماننا هذا إلى رجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يحاورون الناس بشكل هادئ حتى ينفذوا بهذا الدين إلى قلوبهم ويأخذوا بأيديهم إلى بر الأمان .

وما أجمل تصرف الرسول (ص)  عندما قدم عليه شاب يريد منه الرسول (ص)  أن يحل له الزنى ، وكاد الصحابة أن يفتكوا به ، ولكنه الرسول (ص)  بحلمه وحكمته أخذ يحاوره ، أترضى ذلك لأمك ؟ أترضى ذلك لأختك ؟ أترضى ذلك لابنتك ؟ وهو في كل مرة يقول : لا يا رسول الله ، فيقول له الرسول (ص)  وكذلك الناس لا يرضونه لأهليهم(1) . 

ومن هذا المنطلق يعرف التفاوض الناجح والحوار المثمر ، بأنه عملية المناقشة وتبادل الآراء ، التي تتم بين طرفين وتحقق لهما أفضل اتفاق يوصلهما لأقصى مصلحة ممكنة ، فالمفاوض الماهر والحاذق هو الذي يستطيع بما يمتلكه من مهارات التفاوض ، أن يحقق الحد الأمثل من الربح لكل الأطراف المشتركة .

ونظرة إلى المفاوضات التي تتم في حياتنا اليوم ، بين فرد وآخر أو مجموعة وأخرى ، والتي لا تكلل غالباً بالنجاح لأنها عادة تتم بقوة الذراع وفرض الأمر الواقع ، تجعلنا نلمس مدى الحاجة إلى إدخال هذا العلم ليشمل جميع شؤوننا ، وينبغي أن يدرس في الجامعات والمعاهد ، وتدرب عليه الفئات المختلفة من مسؤولين وغيرهم ، ويومها سنشعر أن كثيراً من المشكلات المستعصية ستحل دون حدة أو مشادة والأهم من ذلك أنها ستحقق مصلحة الأطراف المختلفة والمصلحة العامة أولاً وقبل كل شيء .

يجدر بنا هنا أن نشير أن هذا العلم ليس غريباً عن الإسلام ، فالقرآن الكريم يقص علينا أمثلة لا تحصى على الحوار الناجح ، والنقاش الهادف الذي كان يقوم به رسل الله عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ، ومن الأمثلة العظيمة في هذا الصدد محاورة إبراهيم  لقومه ، ولا مجال للتفصيل ، فهناك كتب ودراسات أعدت عن الجدل في القرآن الكريم ، والسنة النبوية تذخر بأمثلة يمكن أن تكون قواعد مهمة لهذا العلم الحديث على الغرب ، ولا شك أنهم سيجدون فيها فائدة عظيمة .

______________

(1) مسند الإمام أحمد .

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق