المشرف العام
بحوث ودراسات
دور التعليم في ترسيخ الأمن الفكري
 
تمت الإضافة بتاريخ : 10/08/2016م
الموافق : 7/11/1437 هـ
fiogf49gjkf0d

       

 

دور التعليم في ترسيخ الأمن الفكري

دلال بنت مرزوق العصيمي  

في ظل العولمة يعيش العالم اليوم زخم الثورة التكنولوجية في مجال المعلومات والاتصالات، التي أثرت على معظم القيم السائدة في المجتمعات تأثيرًا بالغًا، بتأثيراتها الإيجابية والسلبية، لا سيما في المجال الفكري للفرد حيث أصبح هدفًا سهلًا للميل والغواية به تحت مسميات ودعاوى مذهبية منافية للفطرة السليمة وخارجة عن نطاق العقول السوية، الذي يجتاح العالم الإسلامي اليوم بسبب ما يعانيه من معايشة متناقضات بين الأصالة والمعاصرة، وبين التقريب والتحديث، والحريّة والاستبداد، ومن ثم مشكلة التطرّف والتكفير.

حيث أصبحت هذه الحقيقة مدعاة للاهتمام بقضايا توعية وتعليم جيلنا الصاعد الذين هم أمل المستقبل وقادته، وذلك عن طريق ما يترتب على دور ومسؤولية التعليم في المؤسسات التعليمية من غرس وتعزيز الأمن الفكري لدى الطلاب بمختلف المراحل لمواجهة التغيرات الفكرية والثقافية المتسارعة التي قد يتبناها الطلبة من خلال الوسائل المتاحة كأدوات التواصل الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق وجب علينا الوقوف حول هذا الموضوع في محاولة وضع رؤية حقيقية عن منهج علمي لدور التعليم في تعزيز الأمن الفكري لدى الطلاب والذي يعد الدرع الحصين للأمن الوطني بصفة عامة، وذلك من خلال عدة محاور بهدف الوصول إلى نتائج وتوصيات تحقق هذا الأمن.

أولًا: مفهوم الأمن الفكري

لا شك إن مفهوم الأمن الفكري حديث نسبيًا إلا أنه في مضمونه قديم قدم المجتمع الإنساني، ولهذا حاول كثير من المهتمين المعاصرين بظاهرة الأمن إيجاد التعريفات في هذا المجال، فمنهم من يعرفه بأنه: سلامة فكر الإنسان وعقله وفهمه من الانحراف والخروج عن الوسطية والاعتدال في فهمه للأمور الدينية والسياسية وتصوره للكون بما يؤول إلى الغلو والإلحاد والعلمنة الشاملة.

ويعرفه آخرون بأنه: تأمين أفكار وعقول أفراد المجتمع من الأفكار الخاطئة التي تشكل خطرا على قيم المجتمع وأمنه بوسائل وبرامج وخطط متعددة شاملة لجميع النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية.

فمهما تعددت التعاريف إلا أنها تدور حول هدف واحد وهي تأمين العقل البشري ضد أي نوع من أنواع الانحراف، كما نلاحظ من التعاريف السابقة أن مفهوم الأمن الفكري مرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود قيم ومثل عليا وأعراف اجتماعية وثوابت تحكم ذلك العقل الذي كرم به الله الإنسان وأعلى من شأنه، ولا يعني ذلك عدم المحاكاة للآخر والاستفادة منه، فالمعيار هنا هو الوسطية والاعتدال وتقبل الرأي والحوار بما ينسجم مع معتقدات وقيم المجتمع.

ومن هنا يرى بعض الباحثين مدى الحاجة إلى الأمن الفكري وأهميته التي تعود إلى عدة اعتبارات منها ما يلي:

أن تحقيق الأمن الفكري يعد حماية للثوابت، فهو ينبع من ارتباطه بدين الأمة المتمثّلة في سلامة العقيدة، واستقامة السلوك، وإثبات الولاء والانتماء لها، حيث يؤدي بذلك إلى وحدة التلاحم والترابط في المجتمع.

إن تعزيز الأمن الفكري يعمل على الوقاية من الجرائم فتنخفض معدلاتها، وبالتالي يقل الإنفاق المخصص لمواجهة تِلك الجرائم، ومن ثم تسخير الميزانيات في إقامة المشاريع بما ينفع المجتمع اقتصاديًا ومعيشيًا بالتقدم والازدهار.

إن اختلال الفكر وانحرافه يؤدي إلى اختلال الأمن بمختلف جوانبه، الذي يؤدي بدوره إلى السلوك المنحرف وشيوع الجريمة، حيث أشارت دراسة حول موضوع دور الأمن الفكري في الوقاية من الإرهاب والتي أثبت فيها نتائجه؛ بأن هناك علاقة قوية واضحة بين الانحراف الفكري والإرهاب، فكلما زاد الانحراف بين أفراد المجتمع زادت العمليات الإرهابية بحيث يصبح الفكر المنحرف هو البيئة الخصبة لانتشار الإرهاب.

وللحد من هذه المشكلة فإن الدور الأكبر هنا يقع على عاتق التربية والتعليم، فهي أحد الأسباب المهمة التي تعزز الأمن الفكري في نفوس الناشئة للوقاية من هذا الانحراف والتطرف.

ثانيًا: سياسة التعليم في المملكة وعلاقته بالأمن الفكري.

 يعد التعليم إحدى الوسائل المهمة التي يسعى إليها المجتمع لتحقيق الأمن الفكري، فلا يمكن لأي أمة أن تنهض فكريًا وحضاريًا مالم يكن لديها سياسة تعليمية واضحة مرنة مستمدة ومنسجمة مع ثقافة ومبادئ المجتمع قائمة على أسس علمية تكفل بناء شخصية الفرد وفق معتقدات وثقافة المجتمع.

ويعتمد التعليم في المملكة العربية السعودية على مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة التي تدعو لحفظ الإنسان في ضروراته الخمس؛ ما يعزز أمن الإنسان واستقرار البشرية.

حيث يتضح عمل التعليم في المملكة في تحقيق الأمن الفكري وتعزيزه من خلال:

غرس العقيدة الصحيحة وفهمها فهمًا سليمًا متكاملاً، وذلك من خلال ارتكاز التعليم على أسس ومبادئ شرعية مستمدة من الكتاب والسنة، فهما المصدر للتشريع، ودستور للدولة، بحيث تولي المواد الدينية حيزًا كبيرًا من مناهجها، لجعل الدين واقعًا معاشًا باعتباره الدرع الحصين الواقي من كل انحراف.

تعد مناهج التعليم من أهم وسائل نشر الوعي الأمني لدى الطلاب وحمايتهم من الانحراف، حيث إن مواد التربية الإسلامية مواد أساسية وتدرس بشكل مكثف في جميع مراحل التعليم العام، ففي دراسة أجريت عام 2014م للباحث العنزي حول التصور الاستراتيجي لتعزيز الأمن الفكري من خلال مناهج التعليم الثانوي السعودي حيث اتخذ الباحث مقررات العلوم الشرعية أنموذجًا لهذه الدراسة، وأثبتت نتائجها بأن مقررات العلوم الشرعية في التربية والتعليم بنيت لتحصين المجتمع من الانحراف الفكري، وتعزيز الأمن الفكري، وترسيخ المنهج الإسلامي المبني على الاعتدال والوسطية والاستقامة، كما أوضحت الدراسة أن القيم الإسلامية يمكن أن تكون أداة بناء لا هدم إذا ما درست تدريسًا مستقيمًا.

وكذلك منهج التربية الوطنية الذي يمكن استغلاله في ترسيخ مبادئ المواطنة الصادقة والدفاع عنها من خلال تنمية الوعي الأمني لدى الطلاب، كما أن المناهج الأخرى أيضًا لا تخلو من مواضيع تنمي الوعي والأمن الفكر.

يتم اختيار القائمين على التربية والتعليم من ذوي الكفاءة العلمية والتربوية، وخاصة المعلم الذي يلعب دورًا محوريًا في العملية التعليمية، وذلك أنه أداة فاعلة في غرس المفاهيم والاتجاهات والقيم في نفوس الناشئة.

تفعيل دور المشرف الأخصائي النفسي لمساعدة النشء على تكوين شخصياتهم ومتابعة سلوكهم بالنصح والإرشاد، خاصة ما يتعلق بمشاكل الطلاب الفكرية والأمنية.

دعم ثقافة لغة الحوار مع الناشئة، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن آرائهم وأفكارهم، واستغلاله في توعية الطلاب، ومعرفة توجهاتهم.

تزويد وإكساب الطلاب المعارف والمهارات الأخرى، وتنمية السلوكيات الإيجابية في نفوس الناشئة، وتهيئة الفرد لكي يصبح عضوًا نافعًا في بناء مجتمعه.

ولا شك في أن المؤسسة التعليمية بعناصرها المختلفة ودورها في تعزيز الأمن الفكري يكمل بعضها بعضًا، ولعل في مقدمة تلك العناصر وأهمها؛

الإدارة المدرسية الناجحة، المعلم المتميز، المرشد الفعّال، المشرف التربوي الخبير، القيادة الإدارية الحكيمة، المناهج المؤصلة والمتجددة، الأنشطة المدرسية الهادفة.

وذلك من خلال استكمال دور الأسرة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى أيضًا.

ثالثًا: الكشف عن بعض المعوقات التي تواجه التعليم في تحقيق الأمن الفكري.

تؤكد بعض الدراسات والآراء أن المدارس قد تقف خلف أسباب الانحراف والفشل الاجتماعي لكونها لا تقوم بدورها على الوجه المطلوب، وهناك مقولة شهيرة يذكر فيها (أن الطبيب يمكن أن يقتل مريضًا واحدًا بينما يستطيع المعلم أن يقتل شعبًا بأسره).

ولعل أبرز هذه المعوقات عند كثير من الباحثين والمختصين هي كالتالي:

ضعف مراحل التعليم العام في توظيف تقنية المعلومات والتكنولوجيا الحديثة لتحسين التعليم ومواكبته للتطور.

ضعف الشراكة والتعاون بين التعليم ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الأمنية.

ضعف الاهتمام بالمعلم وتحفيزه، وتدني مستوى تأهيله وخاصة معلم المواد الشرعية، كما أن بعض المعلمين يعملون في غير تخصصاتهم.

تدني مستوى المباني والتجهيزات المدرسية لعدم توفير البيئة التعليمية الملائمة مما ينعكس ذلك سلبًا على المتعلم.

ضعف الثقافة الأمنية في المناهج التعليمية، ووجود بعض السلبيات في بعض المقررات الدراسية، وعدم الاهتمام بها من قبل المختصين وتطويرها.

اتباع نمط نظام البيروقراطية والمركزية الإدارية.

التقليل من تفعيل المشاريع التي تهتم برعاية شؤون الطلاب فكريًا وأخلاقيًا.

عدم التجاوب من أولياء الأمور مع المدرسة.

ضعف الاهتمام بالبحث العلمي.

الهدر التربوي الذي تواجهه العملية التعليمية كالتسرب، والرسوب، وانخفاض نسب التفوق لدى الطلاب.

وللحد من هذه المعوقات يتطلب ذلك وضع تصورات استراتيجية جادة لتستطيع من خلاله وزارة التربية والتعليم ان توظف جهودها لتواكب التحديات الفكرية المعاصرة ونشر الوعي الأمني للوقاية من الانحراف الفكري في المستقبل.

رابعا: النتائج

وجود الأمن الفكري لا يعني التقوقع والانغلاق وعدم محاكاة الآخر فكريًا وثقافيًا، فإن ذلك يعيق التطور والتقدم المنشود؛ فالمعيار هنا هو الاعتدال والوسطية والقدرة على وزن الأمور بموازين النقد والتحليل السليم.

التربية والتعليم أحد الأسباب المهمة التي تعزز الأمن الفكري في نفوس الناشئة من خلال عناصرها المختلفة الفعالة.

الدور المهم الذي يقع على عاتق المرشد الطلابي في تعزيز الأمن الفكري لدى الطلاب من خلال النصح والإرشاد.

يتحمل المعلم الجزء الأكبر في تعزيز الأمن الفكري لدى الطلاب من خلال تنشئة الطلبة تنشئة إسلامية صحيحة، ومساعدتهم على استيعاب المفاهيم والأفكار البعيدة عن الأفكار المنحرفة والمتطرفة، وتمثل القدوة الحسنة فيهم، وكذلك ترسيخ مبدأ الحوار الهادف والاستماع واحترام الآخرين وصولاً إلى الحق، وتشجيع التعاون مع الأسرة.

تلعب المناهج دورًا مهمًا وأساسيًا في تحقيق الأمن الفكري، التي تسعى لترسيخ المنهج الإسلامي المبني على الاستقامة والاعتدال والوسطية. 

أن الطالب قد يتعرض للانحراف الفكري بسبب سوء مناخ البيئة التعليمية.

التوصيات 

وضع برامج للكشف عن الطلبة الذين يحملون أفكارًا تتعارض مع الأمن الفكري.

وضع معايير دقيقة عند تعيين المعلم، وكذلك حرص إدارة المدرسة على توجيهه لتعزيز الأمن الفكري لدى الطلبة

ضرورة اهتمام المؤسسات التربوية والتعليمية بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني لطرح مثل هذه القضايا ووضع الخطط والبرامج للوقاية من الانحراف والتطور لدى الناشئة ومعالجتها.

حث الطلاب على الإبلاغ عن أي شخص يحمل الفكر المنحرف سواء للمعلم أو المرشد الطلابي، وإشراك مدير المدرسة في ذلك.

تضمين المقررات الدراسية بعض الموضوعات ذات الصِّلة لتحقيق الأمن الفكري، والنظر إلى تطويرها تطويرًا مستمرًا لمكافحة شتى أشكال الانحراف الفكري.

الاهتمام بالبحوث العلمية في دراسة أسباب هذه الظاهرة ووضع الحلول والسبل الوقائية للحد منها.

_______________

المراجع

- المالكي، عبدالحفيظ بن عبدالله (2007) نحو بناء استراتيجية وطنية لتحقيق الأمن الفكري في مواجهة الإرهاب، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض.

- الحيدر، حيدر بن عبدالرحمن (2002) الأمن الفكري في مواجهة المؤثرات الفكرية

- اللويحق، عبدالرحمن، بن معلا(1425). الأمن الفكري: ماهيته وضوابطه، بحث مقدم في الاجتماع التنسيقي العاشر الذي نظمته جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية.

- اليوسف، عبدالله بن عبدالعزيز (1422). الدور الأمني للمدرّسة في المجتمع السعودي، مركز البحوث والدراسات بكلية الملك فهد الأمنية، الرياض.

- وزارة التربية والتعليم، وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية عام 1416هـ.

- العنزي، عبدالعزيز بن حسين(2014). تصور استراتيجي لتعزيز الأمن الفكري من خلال مناهج التعليم الثانوي السعودي، رسالة ماجستير، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض.

- الطلاع، رضوان بن ظاهر(1419). نحو أمن فكري إسلامي، ط4، مطابع السفراء، الرياض.

- البراشي، بكيل بن محمد (2011). دور الأمن الفكري في الوقاية من الإرهاب، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق