المشرف العام
قدوات
صفحات مجهولة من حياة الرافعي
 
تمت الإضافة بتاريخ : 09/12/2015م
الموافق : 27/02/1437 هـ
fiogf49gjkf0d

 

صفحات مجهولة من حياة الرافعي

 

وليد عبدالماجد كساب

مليئة حياته بتفاصيل كثيرة الأسى والشجن تثير الشفقة كما تبعث على التقدير والإعجاب، فمنذ فقد سمعه صغيرا وهو يواجه صعوبات كثيرة لم تزده إلا صلابة وعزما على أن يكون شخصا متفردا بين أقرانه يشار إليه بالبنان.. أوجز مذهبه في الحياة في عبارة خالدة قال فيها: «إذا لم تزد شيئا على الدنيا؛ كنت زائدا عليها».. أراد المرض أن يهزمه، لكنه هزم مرضه بالقاضية..

وبسبب من عزلته النسبية نتيجة صممه واحتباس صوته، ورغم الكتابات التي تناولت مصطفى صادق الرافعي (1880-1937م) ومنجزه بداية من «حياة الرافعي» لتلميذه محمد سعيد العريان (1905-1964م)؛ فقد ظلت كثير من جوانب حياته مطمورة، وظل أدبه يحتاج إلى من يعيد كشفه واكتشافه.

لم ينشغل الرافعي بكتاب مثل انشغاله بإنجاز كتاب «أسرار الإعجاز»، وكثيرا ما توقع أنه سيكون فتحا في مجال البلاغة القرآنية، وكان كما قال العريان «يعتد بهذا الكتاب اعتدادا كبيرا، وهو جدير بذلك حقا» (1)، ويتجلى هذا الاعتداد في رسائله العديدة لمحمود أبي رية، فقد أحصيت سبع عشرة مرة - عبر ثماني سنوات - تحدث فيها الرافعي عن كتابه بداية من الرسالة المؤرخة بـ 30 يناير 1926م، وكذا رسالته في 31 ديسمبر 1928م, التي يقول فيها: «فإن فكري دائما يشتغل بهذا الكتاب وبطريقة وضعه وتدوين بعض الآراء فيه» (2)، وقد سماه «العمل الأعظم» في رسالته المؤرخة بـ 15 أبريل 1931م، وهو لاشك يقصد أعظم أعماله كما بينته الرسائل الأخرى التي لا مجال لبسطها.

كان الرافعي حريصا على أن يضيف كتابه هذا شيئا وإلا فلا فائدة ترتجى من ورائه، كما كان أحرص على ألا يُظهر من الكتاب شيئا للناس، ويظل سريا، وهذا دأبه في أغلب كتبه، يقول مخاطبا أبا رية: «وإن لم يجئ هذا الكتاب مبتكرا محدثا انقلابا كبيرا؛ فاعلم أنه لا محل له، ولهذا تراني حريصا على ألا أظهر منه شيئا إلا بعد تقرير أمره والمضي فيه والتفرغ له» (3).

وحسب العريان فقد كانت بالكتاب فصول تامة التأليف، وأخرى أجمل الرافعي فكرتها في كلمات على ورق أو أشار إلى مصادرها، وتحدث في صدر الكتاب عن البلاغة العربية وردها إلى أصول غير الأصول التي اصطلح عليها علماؤها منذ كانت، ووضع لها قواعد وأصولا أخرى، وتناول في الفصل الأخير آيات من القرآن على أسلوب من التفسير بيّن سر إعجازها في اللفظ والمعنى والفكرة العامة، يقول العريان: «وقد أتم الكتابة إلى آخر يوم كنت معه عن بضع وثمانين آية» (4).

وقد وقف كاتب هذا المقال منذ نحو سبع سنوات في بيت العقيد سليمان حافظ - حفيد الرافعي - على ملف مكتوب عليه بخط موغل في القدم «أسرار الإعجاز» وبداخله بعض الأوراق العتيقة التي تسلل إليها البلى، فتصفحتها على عجل فإذا بها آيات وخواطره عليها، وقد حاولت مرارا أن أتحصل على صورة من الكتاب لنشره حتى يفيد منه الناس؛ لكن ذلك لم يكن مجديا مع أسرته التي أوعدتني غير مرة.

في أسر الوظيفة

منذ عين الرافعي كاتبا صغيرا بمحكمة طلخا الشرعية سنة 1899م وهو ناقم على الوظيفة غير محبذ لها؛ لكن ظروف الحياة كانت أقوى منه، فلم يكن أمامه سوى الرضوخ للروتين ومأساة الحضور والانصراف، ولازمه شعور بالتميز واستحقاق أكثر مما هو فيه، ولم لا وآل الرافعي يتبوأون مناصب كثيرة في القضاء؟! وقيل إنهم بلغوا في فترة من الفترات أربعين قاضيا، وهو ما لفت نظر «اللورد كرومر» فكتب إلى الحكومة البريطانية يعلمهم بالأمر وينبه إلى ارتفاع شأن هذه العائلة (5).

تنقل الرافعي بين المحاكم فعمل في محكمة إيتاي البارود ومنها إلى محكمة طنطا حيث محل إقامته، لكن حلم الخلاص من الوظيفة ظل يراوده طوال سني خدمته، ففي رسالة كتبها لأبي رية في 26 يناير 1929م, يقول: «إني في هذه الأيام منصرف الفكر إلى ترك الحكومة والخروج بالمعاش متى صدر القانون الجديد ثم أتفرغ إن شاء الله لأعمالي... هذه الأعمال من غير الفراغ تهان إهانة شديدة»؛ لكن سرعان ما تراجع عن الفكرة بعد عملية حسابية رأى بها أنه سيخسر عشرة جنيهات من راتبه.

على أن بصيص أمل تراءى له عندما أعلنت الوزارة عام 1930م, أنها بصدد عمل قانون التشريع المؤقت والاستغناء عن بعض الوظائف، لكنه وجد أنه سيخسر أيضا من راتبه حال الخروج المبكر على المعاش فعدل عن الفكرة ورضي بالأمر الواقع (6).

كان الرجل يحب أن يعيش كالطير طليقا بعيدا عن مواعيد الحضور والانصراف، يذهب إلى المحكمة بعد كل العاملين، وينصرف في الوقت الذي يروق له، ونشب خلاف بينه وبين أحد مديريه؛ فرفع المدير شكواه إلى وزارة الحقانية يقول فيها: «إن في محكمة طنطا كاتبا أصم لا يحسن التفاهم مع أصحاب المصالح وتجب إقالته».

بعثت الوزارة أحد مفتشيها للتحقيق في الشكوى، وكان هذا المفتش هو الشاعر الأديب حفني ناصف بك، ولم يكن بينهما سابق معرفة إلا أن الرافعي قد لمزه في مقاله المشهور «شعراء العصر» (7) الذي نشر بمجلة الثريا سنة 1905م، وسأله المفتش عن الشكوى فأجابه قائلا: «قل لهم في الوزارة إن كانت وظيفتي هنا للعمل فليؤاخذوني بالتقصير والخطأ فيما يسند إلي من عمل، وإن كانت الوظيفة: تعالَ في الساعة الثامنة واجلس على الكرسي كأنك مشدود إليه بحبل حتى يحين موعد الانصراف؛ فلا علي إذا تمردت على هذا التعبد... قل لهم في الوزارة: إنكم لا تملكون من الرافعي إلا هاتين الإصبعين ساعات من النهار».

أعجب حفني ناصف بمنطق الموظف؛ فطوى الشكوى وكتب في تقريره: «إن الرافعي ليس من طبقة الموظفين التي تعنيهم الوزارة بهذه القيود.. إن للرافعي حقا على الأمة أن يعيش في أمن ودعة وحرية.. إن فيه قناعة ورضا، وما كان هذا مكانه ولا موضعه لو لم يسكن إليه. دعوه يعيش كما يشتهي أن يعيش، واتركوه يعمل ويتقن ويبدع لهذه الأمة في آدابها كما يشاء أن يبدع، وإلا فاكفلوا له العيش الرخي في غير هذا المكان» (8)، واستجابت الوزارة للتقرير فعاش الرافعي طليقا في غدوته وروحته... فأبدع ما أبدع!

والسؤال الآن: لماذا لا يعتنى بأهل الإبداع وتوفر لهم الأجواء المناسبة لإبداعهم حتى تفيد الأمة من إنتاجهم؟! وإذا كان الرجل مفيدا لمجتمعه في جانب فلماذا لا يفرغ له ويعطى من الأموال ما يغنيه عن المعاناة بدلا من التضييق عليه؟!

الرافعي مسرحيا

لم أكن أعرف ولا أكثر القراء أن للرافعي مسرحية كتبها في بداياته، لكن عبارة فجأتني في «ديوان الرافعي» وأثارت فضولي؛ فقد وردت أبيات عدة نسبت إلى رواية تسمى «موعظة الشباب»، وجاء في هامش الكتاب: «هذه الرواية هي أول رواية تمثيلية مطبقة على دروس الأخلاق العصرية، وهي فوق ذلك تمتاز بروح الشعر الطائفة في كل معانيها، وستطبع قريبا بعد تمثيلها إن شاء الله» (9). وبالبحث والتنقيب لم أقف على المسرحية المذكورة، لكن وجدت مسرحية أخرى تحت عنوان «حسام الدين الأندلسي» فأعدت نشرها.

والسؤال المحير: لماذا أهمل الرافعي مسرحياته؟!

أغلب الظن أنه لم يرد الحديث عن هذه المسرحية - التي كتبها وعمره ما بين 16 و17 عاما - لكونها من بواكير ما كتب، وهو الأمر الذي ينبغي ألا نغض عنه الطرف عند النظر إلى المسرحية وتقييمها. ومعلوم أنه كثيرا ما يتغاضى الكتاب بعد نضجهم عن أعمالهم الأولى باعتبارها من التجارب الساذجة قبل التمرس في مجال الإبداع والتأليف.

______________

الهوامش :

1- محمد سعيد العريان: حياة الرافعي، ص 286، الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة، الطبعة الثانية 2004م، ضمن سلسلة ذاكرة الكتابة، العدد (54).

2- محمود أبورية: رسائل الرافعي، ص 183، الدار العمرية، دون تاريخ.

3- نفسه، ص 226.

4- العريان، ص 286-287.

5- د. مصطفى الشكعة: مصطفى صادق الرافعي كاتبا عربيا ومفكرا إسلاميا، ص 20، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الثالثة والطبعة الأولى، 1419هـ-1999م.

6- راجع رسائل الرافعي، ص 154، 160، 182.

7- مقال نادر كتبه الرافعي في مجلة الثريا باسم رمزي وقسم فيه شعراء عصره طبقات ووضع نفسه في الطبقة الأولى، وقد بحثت عنه عدة سنوات حتى وجدته، وسيتاح للقارئ قريبا ضمن الأعمال المجهولة للرافعي التي وفقت إليها.

8- راجع التفاصيل: العريان، ص 30 وما بعدها.

9- ديوان الرافعي 3/ 143، شرح محمد كامل الرافعي، نشر مكتبة الإيمان بالمنصورة - مصر، وهي مصورة من ديوانه القديم.

 

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق