المشرف العام
قدوات
الإمام الذهبي شيخ المحدثين ومؤرخ الإسلام
 
تمت الإضافة بتاريخ : 08/12/2014م
الموافق : 16/02/1436 هـ
fiogf49gjkf0d

الإمام الذهبي شيخ المحدثين ومؤرخ الإسلام

 

يعد الإمام شمس الدين الذهبي واحد من الأفذاذ القلائل في مسيرة علوم الحديث والرجال والتأريخ الإسلامي، وقد دلت آثاره العلمية واتجاهاته الفكرية على سعة أفقه وعلمه وحفظه، وقدرته الفائقة على نقد الرجال وتصوير التاريخ، حتى أصبحت أقوال الذهبي فيمن يترجم لهم ويؤرخ، تعتبر عند النقاد والمؤرخين الذين جاءوا بعده أقصى حدود الاعتبار، وكفى بذلك فخرًا.

نسب الإمام الذهبي ونشأته

إمام المحدثين ومؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، الفارقي الدمشقي الشافعي، ولد في دمشق في شهر ربيع الآخر سنة 673هـ / أكتوبر 1274م، وكان من أسرة تركمانية الأصل، تنتهي بالولاء إلى بني تميم، سكنتْ مدينة ميافارقين من أشهر مدن ديار بكر، ويبدو أن جد أبيه قايماز قضى حياته فيها، وتوفي سنة 661هـ وقد جاوز المئة، قال الذهبي: "قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي جد أبي"، أما والده شهاب الدين أحمد، فقد ولد سنة 641هـ تقريبا، وعمل بصنعة الذهب المدقوق، فبرع بها، وتميز وعرف بها.

أصل تسميته الذهبي

عرف مؤرخنا بابن الذهبي، نسبة إلى صنعة أبيه، وكان هو يقيد اسمه "ابن الذهبي"، فجاء في أول معجم شيوخه: "أما بعد، فهذا معجم العبد المسكين محمد بن أحمد ..بن الذهبي"، ويبدو أنه اتخذ صنعة أبيه مهنة له في أول أمره، لذلك عرف عند بعض معاصريه بالذهبي، مثل الصلاح الصفدي، وتاج الدين السبكي، والحسيني، وعماد الدين ابن كثير، وغيرهم. فأصل نسبته الذهبي إلى الذهب وتخليصه وإخراج الغش منه، وقد صار الإمام الذهبي بحق ذهبي عصره، كما شهد بذلك معاصروه ومن جاء بعدهم.

طلبه العلم ورحلاته العلمية

وطلب الذهبي العلم صغيرًا، وتوجهت عنايته إلى ناحيتين رئيستين هما: القراءات، والحديث الشريف، وفشرع في طلب الحديث سنة 690هـ وعمره 18 سنة، ووقف حياته على العلم حتى توفى رحمه الله، وعني بالقراءات، والتاريخ والحديث واهتم به اهتمامًا خاصًا، وأخذ عن شيوخ بلده، وعن غيرهم.

 

ورحل الإمام الذهبي في طلب العلم داخل البلاد الشامية إلى حلب، وبيت المقدس والرملة ونابلس، وبعلبك، وطرابلس، وحمص وحماه ونابلس والرملة.

كما كان للذهبي رحلاته العلمية داخل البلاد المصرية، وكانت من أبرز رحلاته المبكرة، ويبدو أنه وصل إلى مصر في السادس عشر من رجب سنة 695هـ، فرحل إلى القاهرة، والإسكندرية، ودمياط، وسمع بمصر من جماعة كبيرة، من أشهرهم: ابن دقيق العيد والعلامة شرف الدين الدمياطي، وقرأ على صدر الدين سحنون ختمة لورش وحفص، وكان الذهبي يجهد نفسه في قراءة أكبر كمية ممكنة على شيوخ تلك البلاد.

وفي سنة 698هـ رحل الذهبي للحج، وكان يرافقه في حجه جماعة من أصحابه وشيوخه، منهم شيخ دار الحديث بالمدرسة المستنصرية ابن الخراط الحنبلي (ت 728هـ)، وقد سمع بمكة، وعرفة، ومنى ، والمدينة من مجموعة من الشيوخ.

هذا وقد سمع الذهبي ما يتعذر عده من الكتب وأخذ عنه الصغار والكبار، حتى صدق عليه قول تاج الدين السبكي (ت 771هـ): "وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذه الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال. وأقام بدمشق يُرحل إليه من سائر البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد وهو بين أكنافها كنف لأهليها وشرف تفتخر وتزهى به الدنيا وما فيها، طوراً تراها ضاحكة عن تبسم أزهارها، وقهقهة غدرانها، وتارة تلبس ثوب الوقار والفخار بما اشتملت عليه من إمامها المعدود في سكانها".

 

طبيعة دراسات الذهبي

كانت دراسته وسماعاته متنوعة لم تقتصر على القراءات والحديث، فقد عني بدراسة النحو، فسمع "الحاجبية" في النحو على شيخه بن أبي العلاء النصيبي البعلبكي، ودرس على شيخ العربية، وإمام أهل الأدب في مصر آنذاك ابن النحاس (ت 698 هـ). إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب، واهتم بالكتب التاريخية، فسمع عددا كبيرا منها على شيوخه، في المغازي، والسيرة، والتاريخ العام، ومعجمات الشيوخ والمشيخات، وكتب التراجم الأخرى.

ونستطيع القول من دراسة كتب الذهبي واهتماماته أنه عني بالعلوم الدينية عموما، والعلوم المساعدة لها كالنحو واللغة والأدب والشعر. كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية. ونشك أنه درس كتبا في العلوم الصرفة لعدم اعتقاده بجدواها.

 

على أن مكانة الذهبي العلمية وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستنا له محدثًا، فقد مهر الذهبي في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة: "حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا".

 

شيوخ الذهبي

وقد بلغ شيوخ الذهبي الذين أخذ عنهم في القراءات السبع والحديث والسيرة، وغيرها عدداً كبيراً، فأجاز له أبو زكريا ابن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطن ابن عصرون، والقاسم بن الأربلي.

وسمع الذهبي من: أحمد بن هبة الله بن عساكر، وابن دقيق العيد، والحافظ أبي محمد الدمياطي، وغيرهم، وقد ذَكر في معجم شيوخه ثلاثمائة وألف شيخ.

 

تلاميذ الذهبي

وهم خلق لا يحصون أيضاً، بسبب ما وصل إليه الإمام الذهبي من تقدم في العلم والتحقيق والتأليف، فأحبه الطلاب وحرصوا على السماع منه، ورحلوا إليه من بلدان شتى ليسمعوا مؤلفاته، كما قال الشوكاني: "وَجَمِيع مصنفاته مَقْبُولَة مَرْغُوب فِيهَا، رَحل النَّاس لأَجلهَا وأخذوها عَنهُ وتداولوها وقرأوها وكتبوها فِي حَيَاته وطارت فِي جَمِيع بقاع الأَرْض، وَله فِيهَا تعبيرات رائقة وألفاظ رشيقة غَالِبًا، لم يسْلك مسلكه فِيهَا أهل عصره وَلَا من قبلهم وَلَا من بعدهمْ".

 

ومن أشهر تلاميذه:

صلاح الدين الصفدي، الحافظ ابن كثير، تاج الدين السبكي، الحافظ شمس الدين الحسيني (ت 765هـ)، تقي الدين بن رافع السلامي (ت 774هـ)، أبو الطيب المكي الحسني الفاسي (ت 832هـ).

 

صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري

اتصل الذهبي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر وهم: جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي الشافعي (654 - 742هـ)، وتقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني (661 - 728 هـ)، وعلم الدين القاسم بن محمد البرزالي (665 - 739 هـ)، وترافق معهم طيلة حياتهم.

وكان الذهبي أصغر رفاقه سنا، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم، وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه. وقد ساعد من شد أواصر هذه الرفقة اتجاههم نحو طلب الحديث منذ فترة مبكرة، وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أن المزي والبرزالي والذهبي كانوا من الشافعية. وكان كل واحد منهم محبا للآخر ذاكرا فضله. وقد أدت هذه الصلة في كثير من الأحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما ليس فيهم. وقد أوذي المزي بسبب ذلك، وحُرم الذهبي بسبب آرائه من تولي أكبر دار للحديث بدمشق، هي دار الحديث الأشرفية.

نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية

بدأت حياة الذهبي العلمية في الإنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها، ومن أهمها التاريخ والحديث. ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم " تاريخ الإسلام " الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة 714هـ.

وقد تولى الذهبي في سنة 703هـ الخطابة بمسجد كفر بطنا، وهي قرية بغوطة دمشق، وظل مقيما بها إلى سنة 718 هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرة كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف. وقد تولى شمس الدين الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن، فولي دار الحديث الظاهرية، كما تولى الذهبي تدريس الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضا عن شيخه البرزالي سنة 739هـ، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعا بذلك، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بدار الحديث والقرآن التنكزية سنة 739هـ.

وحينما توفي سنة 748هـ كان يتولى مشيخة الحديث في خمسة أماكن هي: مشهد عروة، أو دار الحديث العروية،  دار الحديث النفيسية، دار الحديث التنكرية، دار الحديث الفاضلية بالكلاسة، تربة أم الصالح، وقد درَّس فيها بعده تلميذه الحافظ ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774هـ.

آثار ومؤلفات الإمام الذهبي

لعل خير ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خلفها، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعلية التي قدمتها للحضارة الإسلامية. وسيرة الذهبي العلمية، استنادا إلى آثاره، ذات وجوه متعددة يستبينها الباحث الفاحص من نوعية تلك الآثار.

وأول ما يلاحظ الدارس هذا العدد الضخم من الكتب التي اختصرها والتي تربي على خمسين كتابا، معظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت أهمية عظيمة عند الدارسين، ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمود والنقل، بل إن المطلع عليها الدارس لها بروية وإمعان يجد فيها إضافات كثيرة، وتعليقات نفيسة، واستدراكات بارعة، وتصحيحات وتصويبات لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر، فهو اختصار مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم ومعرفة بفنونه.

ومما اختصره الإمام الذهبي: تاريخ مصر لابن يونس (ت 347 هـ)، أسد الغابة في الصحابة لابن الأثير (ت 630 هـ)، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري (ت 405 هـ)، السنن الكبرى للبيهقي (ت 458 هـ)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، تاريخ دمشق لابن عساكر (ت 571 هـ).

ومع أن الذهبي قد عاش في عصر غلب عليه الجمود والنقل والتخليص، فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته، قال تلميذه صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ): "ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (بلادة) النقلة، بل هو فقيه النظر له دِرْبة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات، وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده ..". وبلغ اعتراف حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلا الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته.

ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال والتراجم أنه لم يقتصر في تأليفه على عصر معين، أو فئة معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت مؤلفاته رجال الإسلام من أول ظهوره حتى عصره، بله المعاصرين له.

ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي إلى القول: "إنه كان شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها".

 

ومن مؤلفاته:

ترك الإمام الذهبي إنتاجًا غزيرًا من المؤلفات بلغ أكثر من مائتي كتاب، شملت كثيرًا من ميادين الثقافة الإسلامية، فتناولت القراءات والحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله والعقائد والرقائق، غير أن معظم مؤلفاته في علوم التاريخ وفروعه، ما بين مطول ومختصَر ومعاجم وسير، ومنها:

1- تاريخ الإسلام: وهو كتاب كبير الحجم عظيم النفع لم يؤلف غيره في بابه مثله، قال ابن تغري بردي: "وهو أجل كتاب نقلت عنه ...". وهو يتحدث عن تاريخ الإسلام، وعلماء الحديث.

2- سير أعلام النبلاء: وقد ألفه بعد تاريخ الإسلام وهو ليس مختصرا له.

3- وكتب أخرى منها: العبر في خبر من غبر، اختصار المستدرك للحاكم، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تذكرة الحفاظ (طبقات الحفاظ للذهبي)، اختصار تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، اختصار تاريخ دمشق لابن عساكر، المغني في الضعفاء، ديوان الضعفاء والمتروكين وخلق من المجهولين وثقات فيهم لين، التلويحات في علم القراءات، الكبائر، الرسالة الذهبية إلى ابن تيمية، الأمصار ذوات الآثار، دول الإسلام، أخبار أبي مسلم الخراساني، تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، معجم الشيوخ الكبير، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، ميزان الاعتدال في نقد الرجال. وله في تراجم الأعيان لكل واحد منهم مصنف قائم الذات، مثل الأئمة الأربعة.

 

ثناء العلماء على الإمام الذهبي

أثنى عليه العلماء ثناءً كثيرا، شهدوا بذلك على فضله وإمامته لا سيما في علم الحديث والتاريخ والرجال.

يقول تاج الدين السبكي: " شَيخنَا وأستاذنا الإِمَام الْحَافِظ .. مُحدث الْعَصْر، اشْتَمَل عصرنا على أَرْبَعَة من الْحفاظ بَينهم عُمُوم وخصوص: الْمزي والبرزالي والذهبي وَالشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد (تقي الدين السبكي) لَا خَامِس لهَؤُلَاء فِي عصرهم ..، وَأما أستاذنا أَبُو عبد الله فَبَصر لَا نَظِير لَهُ، وكنز هُوَ الملجأ إِذا نزلت المعضلة، إِمَام الوُجُود حفظًا، وَذهب الْعَصْر معنى ولفظًا، وَشَيخ الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَرجل الرِّجَال فِي كل سَبِيل".

وقال ابن شاكر الكتبي: " حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس، جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف".

وقال السيوطي: " الإمام الحافظ محدث العصر وخاتمة الحفاظ ومؤرخ الأعلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة ..، طلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير ورحل وعين بهذا الشأن وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع وأذعن له الناس ..، والذي أقوله: إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر".

وقال الشوكاني: "وَجَمِيع مصنفاته مَقْبُولَة مَرْغُوب فِيهَا، رَحل النَّاس لأَجلهَا وأخذوها عَنهُ وتداولوها وقرأوها وكتبوها فِي حَيَاته وطارت فِي جَمِيع بقاع الأَرْض، وَله فِيهَا تعبيرات رائقة وألفاظ رشيقة غَالِبًا، لم يسْلك مسلكه فِيهَا أهل عصره وَلَا من قبلهم وَلَا من بعدهمْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس فِي التَّارِيخ من أهل عصره فَمن بعدهمْ عِيَال عَلَيْهِ، وَلم يجمع أحد فِي هَذَا الْفَنِّ كجمعه وَلَا حَرَّره كتحريره".

وقال مرعي بن يوسف الكرمى المقدسي الحنبلى: "الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ الْهمام مُفِيد الشَّام ومؤرخ الْإِسْلَام ناقد الْمُحدثين وَإِمَام المعدلين والمجرِّحين إِمَام أهل التَّعْدِيل وَالْجرْح وَالْمُعْتَمد عَلَيْهِ فِي الْمَدْح والقدح ..، كَانَ آيَة فِي نقد الرِّجَال، عُمْدَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، عَالما بالتفريع والتأصيل، إِمَامًا فِي الْقرَاءَات، فَقِيها فِي النظريات، لَهُ دربة بمذاهب الْأَئِمَّة، وأرباب المقالات، قَائِما بَين الْخلف بنشر السُّنة وَمذهب السَّلف".

 

وفاة الإمام الذهبي

أضر الذهبي في أخريات سني حياته، قبل موته بأربع سنين أو أكثر، بماء نزل في عينيه، وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة 748 هـ / 1348م، ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي، وقد رثاه غير واحد من تلامذته منهم الصلاح الصفدي والتاج السبكي.

 

المصادر والمراجع:

- بشار عواد معروف: مقدمة تحقيق سير أعلام النبلاء للذهبي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثالثة 1405 هـ / 1985م. (وعلى هذه المقدمة كانت أكثر الترجمة).

- عبد الله بن ضيف الله الرحيلي: مقدمة تحقيق من تكلم فيه وهو موثوق أو صالح الحديث للذهبي، الطبعة: الأولي 1426هـ / 2005م.

- ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الأولى 1974م.

- الصفدي: الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث – بيروت، عام النشر:1420هـ / 2000م.

- الحافظ الحسيني: ذبل تذكرة الحفاظ، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الطبعة الأولى 1419هـ / 1998م.

- تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: محمود محمد الطناحي، عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1413هـ.

- السيوطي: طبقات الحفاظ، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى 1403هـ.

- مرعي بن يوسف الكرمى المقدسي الحنبلى: الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، تحقيق: نجم عبد الرحمن خلف، الناشر: دار الفرقان , مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1404هـ.

- الشوكاني: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، الناشر: دار المعرفة - بيروت.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق