المشرف العام
قدوات
الشيخ عبد الرحمن السعدي .. الفقيه الزاهد
 
تمت الإضافة بتاريخ : 25/11/2014م
الموافق : 3/02/1436 هـ
fiogf49gjkf0d

الشيخ عبد الرحمن السعدي .. الفقيه الزاهد

 

عبده دسوقي

عانى الوطن العربي في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي والقرن العشرين من الوقوع تحت نير الاستعمار الغربي، مما كان عاملا قويا في تخلف البلاد وانهيارها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا.

في ظل هذه الأوضاع ظهرت هذه الشخصيات التي تركت بصمات في إصلاح المجتمع قبل رحيلها، ومنها الشيخ عبد الرحمن السعدي الذي ترك خلفه بصمات علمية وتراثا فكريا عظيما.

 

النشأة والتكوين

هو الشيخ أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر آل سعدي من الحمران من قبيلة النواصر أحد قبائل تميم، ولد في بلدة عنيزة في القصيم، وذلك بتاريخ 12 محرم 1307هـ، الموافق الأحد 8 سبتمبر 1889م، وتوفيت أمه وله أربع سنين، وتوفي والده وله سبع سنين، فتربى يتيماً، ولكنه نشأ نشأة حسنة، وكان قد استرعى الأنظار منذ حداثة سنه بذكائه ورغبته الشديدة في العلوم، وقد قرأ القرآن بعد وفاة والده ثم حفظه عن ظهر قلب، وأتقنه وعمره إحدى عشرة سنة، ثم اشتغل بالتعلم على علماء بلده وعلى من قدم بلده من العلماء، فاجتهد وجد حتى نال الحظ الأوفر من كل فن من فنون العلم، ولما بلغ من العمر ثلاثاً وعشرين سنة جلس للتدريس فكان يتعلم ويعلم، ويقضي جميع أوقاته في ذلك حتى إنه في عام ألف وثلاثمائة وخمسين صار التدريس ببلده راجعاً إليه، ومعول جميع الطلبة في التعلم عليه.

لقد كان الشيخ عبد الرحمن السعدي من الناحية الدينية هو كل شيء في عنيزة، فقد كان العالم والمعلم والإمام والخطيب والمفتي والواعظ والقاضي وصاحب مدرسة دينية له فيها تلاميذ منتظمون.

 

صفات اتصف بها الشيخ

كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة، متواضعاً للصغير والكبير والغني والفقير، وكان يقضي بعض وقته في الاجتماع بمن يرغب حضوره فيكون مجلسهم نادياً علمياً، حيث إنه يحرص أن يحتوي على البحوث العلمية والاجتماعية ويحصل لأهل المجلس فوائد عظمى من هذه البحوث النافعة التي يشغل وقتهم فيها، فتنقلب مجالسهم العادية عبادة ومجالس علمية، ويتكلم مع كل فرد بما يناسبه، ويبحث معه في الموضوعات النافعة له دنيا وأخرى، وكثيراً ما يحل المشاكل برضاء الطرفين في الصلح العادل، وكان ذا شفقة على الفقراء والمساكين والغرباء ماداً يد المساعدة لهم بحسب قدرته ويستعطف لهم المحسنين ممن يعرف عنهم حب الخير، وكان على جانب كبير من الأدب والعفة والنزاهة والحزم في كل أعماله، وكان من أحسن الناس تعليماً وأبلغهم تفهيماً، مرتباً لأوقات التعليم، يقيم المناظرات بين تلاميذه المحصلين لشحذ أفكارهم، ويجعل الجعل لمن يحفظ بعض المتون، وكل من حفظ أعطى الجعل ولا يحرم منه أحد.

 

مكانته العلمية

كان عالماً في الفقه، أصوله وفروعه، وكان في أول أمره متمسكاً بالمذهب الحنبلي تبعاً لمشايخه، وحفظ بعض المتون من ذلك، وكان له مصنف في أول أمره في الفقه، نظمه رجزاً نحو أربعمائة بيت وشرحه شرحاً مختصراً، ولكنه لم يرغب في ظهوره لأنه على ما يعتقده أولاً.

وكان أعظم اشتغاله وانتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وحصل له خير كثير بسببهما في علم الأصول والتوحيد والتفسير والفقه وغيرها من العلوم النافعة، وبسبب استنارته بكتب الشيخين المذكورين صار لا يتقيد بالمذهب الحنبلي، بل يرجح ما ترجح عنده بالدليل الشرعي، ولا يطعن في علماء المذاهب كبعض المتهوسين، هدانا الله وإياهم للصواب والصراط المستبين، وله اليد الطولي في التفسير، إذ قرأ عدة تفاسير، وبرع فيه، وألف تفسيراً جليلاً في عدة مجلدات، فسره بالبديهة من غير أن يكون عنده وقت لتصنيف كتاب تفسير ولا غيره، ودائماً يقرأ تلاميذه القرآن الكريم ويفسره ارتجالاً، ويستطرد ويبين من معاني القرآن وفوائده، ويستنبط منه الفوائد البديعة والمعاني الجليلة، حتى إن سامعه يود ألا يسكت لفصاحته وجزالة لفظه وتوسعه في سوق الأدلة والقصص، ومن اجتمع به وقرأ عليه عرف مكانته في المعلومات، كذلك من قرأ مصنفاته وفتاواه.

 

مشايخه

يعتبر الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، أول من قرأ عليه الشيخ السعدي، وأيضا الشيخ صالح بن عثمان قاضي عنيزة أخذ عنه الأصول والفقه والتوحيد والتفسير والعربية، ولازمه إلى وفاته، وأيضا الشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل، قرأ عليه في الفقه وعلوم العربية، والشيخ عبد الله بن عايض، والشيخ صعب القويجري، والشيخ على السناني، والشيخ محمد الشنقيطي لما قدم عنيزة وجلس فيها للتدريس قرأ عليه في التفسير والحديث وعلوم العربية، كالنحو والصرف ونحوهما.

 

مؤلفاته

1- تفسير القرآن الكريم المسمى «تيسير الكريم المنان» في ثماني مجلدات أكمله في عام 1344هـ.

2- حاشية على الفقه استدراكاً على جميع الكتب المستعملة في المذهب الحنبلي ولم تطبع.

3- إرشاد أولي البصائر والألباب لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، رتبه على السؤال والجواب، طبع بمطبعة الترقي في دمشق عام 1365 على نفقة المؤلف ووزعه مجاناً.

4- الدرة المختصرة في محاسن الإسلام، طبع في مطبعة أنصار السنة عام 1366هـ.

5- الخطب العصرية القيمة، لما آل إليه أمر الخطابة في بلده اجتهد أن يخطب في كل عيد وجمعة بما يناسب الوقت في المواضيع المهمة التي يحتاج الناس إليها، ثم جمعها وطبعها مع الدرة المختصرة في مطبعة أنصار السنة على نفقته ووزعها مجاناً.

6- القواعد الحسان لتفسير القرآن، طبعها في مطبعة أنصار السنة عام 1366، ووزع مجاناً.

7- تنزيه الدين وحملته ورجاله، مما افتراه القصيمي في أغلاله، طبع في مطبعة دار إحياء الكتب العربية على نفقة وجيه الحجاز الشيخ محمد افندي نصيف عام 1366هـ.

8- الحق الواضح المبين، في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين.

9- توضيح الكافية الشافية، وهو كالشرح لنونية الشيخ ابن القيم.

10- وجوب التعاون بين المسلمين، وموضوع الجهاد الديني، وهذه الثلاثة الأخيرة طبعت بالقاهرة السلفية على نفقة المؤلف ووزعها مجاناً.

11- القول السديد في مقاصد التوحيد، طبع في مصر «بمطبعة الإمام» عام 1367 هـ.

12- تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، طبع على نفقة المؤلف وجماعة من المحسنين، وزع مجاناً، طبع بمطبعة الإمام.

 

مواقف من حياة الشيخ السعدي

في عام 1373هـ عين الشيخ عبد الرحمن السعدي مشرفاً على المعهدالعلمي من الناحية العلمية، وكان تعيينه براتب شهري قدره ألف ريال، ولكن الشيخ رحمه الله تعالى أرسل إلى رئاسة المعاهد العلمية أنه على استعداد للإشراف على المعهد حسبة لوجه الله تعالى، وأنه لا يريد أن يكون له على ذلك أجر مادي، وقبلت الرئاسة شاكرة له هذا الصنيع الذي لا يصدر إلا من عالم زاهد يبتغي وجه الله.

وكانت للشيخ دروس في المعهد وفي المسجد الجامع وفي بيته المتواضع، كما كان رحمه الله يأتي إلى المعهد بانتظام يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وكان يخلع نعليه عند دخول الفصل أثناء الدرس مع أن أهل نجد لا يخلعون نعالهم عند دخول المسجد، ولا عند الصلاة، ولكنه الأدب الراقي واحترام العلم ومجلسه، ثم يدخل آخر صف ويجلس فيه وكأنه أحد طلاب هذا الفصل، ويكرر هذا العمل في أكثر من فصل ويستمع إلى أكثر من مدرس.

كان يصلي الفجر بالناس، ثم يجلس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس، ويذهب بعد ذلك إلى بيته حتى الضحوة الكبرى فيعود إلى المسجد يعلم الفقه والتفسير والحديث والعقيدة والنحو والصرف في دروس منتظمة وكتب اختارها لطلابه ويستمر معهم حتى صلاة الظهر فيصلي بالناس ويعود إلى بيته يستريح فيه إلى صلاة العصر، ثم يذهب إلى المسجد فيصلي العصر بالناس ويعطيهم عقب الصلاة وهم جلوس بعض الأحكام الفقهية في دقائق لا تؤخرهم عن الانصراف سعياً وراء أرزاقهم، وعندما تغرب الشمس يصلي بالناس المغرب ويجلس للدرس حتى يصلي العشاء، ويتكرر ذلك في كل يوم.

وكان من سيرته - عليه رحمة الله - أنه في موسم الحصاد تأتي إليه ثمار النخيل والبساتين التي وقفها أصحابها على المسجد الجامع ليؤدي رسالته الإسلامية العظيمة، فكان الشيخ يجمع كل هذه الثمار في المسجد ويوزعها على الفقراء والمساكين ولا يأخذ تمرة واحدة يدخلها فاه أو ينقلها إلى بيته.

ومرت الأيام.. وفي نهاية عام 1375هـ الموافق 1956م بدأ العدوان الثلاثي على مصر، وهاجمت فرنسا وإنجلترا وإسرائيل أرض مصر، ولكل دولة منه دوافعها الخاصة، وعرف الشيخ السعدي هذه الأبعاد كلها وخطب في الناس الجمعة في هذا الموضوع ورفع الناس معه أكف الضراعة إلى الله أن يحمي القوة الإسلامية وأن ينصر المسلمين ويرد كيد الكافرين، وقد استجاب الله دعاه، فخطب الشيخ في جمعة تالية مهنئاً ومبشراً ومذكراً بقول الله تعالى {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} (الأحزاب-25)

 

قالوا عنه

قال عنه الشيخ ابن العثيمين في 15 رمضان 1416 هـ: «فإن تفسير شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى المسمى «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» من أحسن التفاسير حيث كانت له ميزات كثيرة: منها سهولة العبارة ووضوحها حيث يفهمها الراسخ في العلم ومن دونه. ومنها تجنب الحشو والتطويل الذي لا فائدة منه إلا إضاعة وقت القارئ وتبلبل فكره.

ومنها تجنب ذكر الخلاف إلا أن يكون الخلاف قويا تدعو الحاجة إلى ذكره، وهذه ميزة مهمة بالنسبة للقارئ حتى يثبت فهمه على شيء واحد.

ومنها السير على منهج السلف في آيات الصفات فلا تحريف ولا تأويل يخالف مراد الله بكلامه فهو عمدة في تقرير العقيدة. ومنها دقة الاستنباط فيما تدل عليه الآيات من الفوائد والأحكام والحكم، وهذا يظهر جليا في بعض الآيات كآية الوضوء في سورة المائدة حيث استنبط منها خمسين حكما، وكما في قصة داود وسليمان في سورة «ص». ومنها أنه كتاب تفسير وتربية على الأخلاق الفاضلة كما يتبين في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ} (الأعراف - 199).

ومن أجل هذا أشير على كل مريد لاقتناء كتب التفسير ألا تخلو مكتبته من هذا التفسير القيم.

 

وفاتــه

أصيب بمرض شديد مفاجئ، ثم وافاه الأجل في ليلة الخميس 23 من جمادى الآخرة سنة 1376هـ، الموافق الخميس 24 يناير 1957م بمدينة عنيزة، بعد عمر دام قرابة 69 عاماً في خدمة العلم، ومما وصف به الشيخ ما قالته عجوز جالسة على طريق الجنازة والناس يمرون وهم يحملون نعش الشيخ قالت العجوز في صدق وحرارة: «نجم هوى».

المراجع :

1- مواقف اجتماعية من حياة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، محمد بن عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ومساعد بن عبدالله بن سليمان السعدي، الطبعة: الأولى 1428هـ، دار الميمان.

2- مجلة المختار الإسلامي.

3- موقع ويكبيديا.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق