المشرف العام
أفكار
لخطوات الأولى نحو الاندماج في العمل
 
تمت الإضافة بتاريخ : 04/09/2014م
الموافق : 10/11/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

لخطوات الأولى نحو الاندماج في العمل

 

بشرى شاكر

 أكثر المراحل أهمية لشخص بدأ عمله حديثًا في إحدى المؤسسات هي مرحلة اندماجه داخل محيطه الجديد، هذا الاندماج لا يكون سهلًا البتّة بسبب عدة عوامل أولها: القلق الذي يشعر به جراء وُلوجه عملًا جديدا ومؤسسةً جديدة، وهو الإحساس الذي يحيله إلى ما يسمى في علم النفس بصدمة الميلاد «Birth Trauma»، وهي الصدمة التي وإن كانت أول صدمة نتلقاها عند خروجنا للحياة بالخروج من مكان أمن وممتاز يوفر لنا كل شيء- من غذاء وحماية في بطن الأم- إلى بيئة باردة مفاجئة غريبة عنا، إلّا أن هذه الصدمة ترافقنا كلما استهلينا أمرًا جديدًا، خطوبة، زواج، انتقال من سكن إلى آخر، أو حتى انفصال، أو تغيير العمل من منصب إلى آخر، أو من مؤسسة إلى أخرى...

إن الإنسان عادة ما يهرب من كل شيء جديد، لأنه يخيفه ويحيى فيه ذلك الإحساس المرعب بصدمة الميلاد، فيحس ببرودة الوضع الجديد والخوف من البيئة المحيطة الغريبة عنه، لذلك وكما يقول« فرويد»: إننا حينما نلجأ للنوم مساء فإننا نهيأ الظروف للإحساس بتلك

البيئة الأولى التي شكلت لنا الحماية والملاذ الآمن، بحيث لا ننام في مكان فيه ضجيج، ونطفئ الأضواء، ونعمد على أن يكون المكان مظلمًا إن لم نقل معتماً بالكامل، بل إننا في الغالب نأخذ شكل الجنين في بطن أمّه بحيث ننام على شكل القرفصاء، خاصة إذا كنا نشعر بتعب

وإعياء كبيرين، وكأننا نشكل كل الظروف لنعود لبطن أمّنا ثانية!

بالعودة لصدمة الميلاد، فإنها وكما أسلفنا تلازمنا في كل تغيير حال أو وضع، ولذلك يعيشها المنتقل حديثًا لعمل جديد، ويجد نفسه أمام خوفه النفسي من المجتمع المصغر الجديد الذي يستعد لولوجه.

العامل الثاني والأهم: هو تلك المقاومة التي يتصدى له بها الآخرون، هذه المقاومة هي شيءٌ طبيعيٌّ جدًا، فحينما يلتقي شخص آخر للمرة الأولى، يحسّ تلقائيًا بالقلق اتجاه الشخص الماثل أمامه والذي يعتبره غريبًا، فيتردد في الحديث معه، وينتظر أن يبادر الآخر بالخطوة الأولى

نحو التعريف بنفسه ونحو معرفته، وهو ذات الشعور الذي يعتري الآخر أيضًا... إننا نتحدث الآن عن مقاومة عادية وطبيعية يقابلها أيضًا قلق طبيعي وإنساني، إنها بصيغة أخرى نوع من الدفاع عن النفس، ولكن هذه المقاومة قد تتحول إلى كتلة من المشاكل يتعرض لها الموظف

الجديد حينما يتعرّض لها من قبل زملاءه في العمل.

فحينما يجد نفسه أمام حائط بشري مقاوم، ولا يحس بأنه مرغوب به داخل مجموعة محددة مسبقًا، وكأنها عبارة عن دائرة مكتملة ومحكمة الإغلاق لم تترك مكان للتسلل من خلالها، حينما تشتد مقاومة الآخرين للموظف الجديد فإن البعض منهم قد يدافع عن نفسه بإخفاء كل

الجوانب الجيدة، ولا يبرز للموظف القادم سوى الجوانب القائمة في عمله الجديد ومؤسسته التي بدأ فيها العمل، وكأنهم يدفعونه لترك مهمته فور بدئها، وبالأحرى هم لا يرغبون بأن يحطّم جدار دائرتهم المغلقة، حتّى من يستقبلون هذا الموظف بشكل أفضل وابتسامة ودودة فإنهم

يقومون بذلك في بداية الأمر بشيء من التحفظ والتردد، وقد يبدو ذلك واضحًا في حركاتهم ونظراتهم، حتّى وإن لم يبد متجليًا في حديثهم وابتساماتهم، ولكن هؤلاء عادة يمكن أن يكونوا زملاء جيدين، ويمكن الاعتماد عليهم فيما بعد وبالعكس تمامًا، الذين يرحبون بالضيف الجديد

بشكل مبالغ فيه قبل معرفته ويسألونه بفضول أكبر، هؤلاء يكونون غالبًا أقل صدقًا في مساعيهم..

حينما يتعرض الموظف إلى سوء استقبال مماثل، فإنه يشعر بقلق أكبر ويخشى طلب معلومات حتّى ولو كانت تخص العمل، إما خوفًا من أن يسخر الآخرون منه، أو خوفًا من أن يمنع من الاندماج داخل المجموعة، حينها يختار الأضعف الأمر السهل، وقد يترك عمله أو يحتفظ

به ولكن بدون حماس، ويظل مثقلًا بالتفكير في «معضلة» اندماجه داخل المؤسسة.

ولكن ما يعتبره هذا الموظف الجديد عدوانية من الآخرين أو كرهًا له هو في الواقع مقاومة عادية يمكنها أن تخف مع الوقت إلى أن تتلاشى، لا سيما أنها مقاومة ثنائية، فإن كان القدماء يعتبرونه دخيلًا جاء ليعكر صفو وحدتهم ومجموعتهم، فالموظف الجديد أيضًا يقاومهم بابتعاده

عن إبرام علاقات معهم خوفًا منهم، لأنهم أيضًا بالنسبة له غرباء من بيئة جديدة.. هذا الموظف له حلّان: إما أن يرحل، أو يستمر.

ولكي يستمر عليه أن يتقبل أولاً فكرة أنها محنة يمكن تجاوزها، وعليه أن يقوم بجهود لذلك دون أن يظهر استياءه أو قلقه الزائد، أو يستعجل الأمور.

من الطبيعي أن يتساءل ألف سؤال، أو أن يحس أنه ليس بمكانه في بداية الأمر، فهو في مؤسسة جديدة بين مسؤولين جدد وزملاء جدد وعمل أو وظيفة جديدة، وربما مهمّة جديدة أيضًا.

إذن كيف يمكن لهذا الموظف الجديد في بيئة جديدة ومحيط جديد أن يتجاوز كل هذا، ليندمج في مؤسسة يبدأ فيها عمله للتو؟

أولاً وكما أسلفنا، على الموظف الجديد أن يعي أنه من الطبيعي جدًا شعور الآخرين بأنهم مهددون بسبب وافد جديد، هم لا يعرفونه جيدًا، ولا يفهمون كيف عليهم التعامل معه، ولا يعرفون إن كان مؤذيًا أو مسالمًا، كل ما يرونه فيه لأول وهلة هو أنه غريب عنهم، فتلك المقاومة للآخر التي يبدونها اتجاه الموظف الجديد أمر طبيعي، أحيانًا تكون عادية وأحيانًا مبالغ فيها، وعلى الموظف الجديد أن يحاول الهدوء قدر المستطاع، وألّا يظهر قلقه واستياءه من سوء معاملة البعض له، أو يبدي ردة فعل عنيفة، ولكن عليه أن يحاول التخفيف من شعور الآخر

من الخوف منه واعتباره دخيلاً، ذلك بأن يكون ودودًا، ولكن دون أن يقحم نفسه إقحامًا في أحاديث لا تخصه، أو يتودد إلى درجة المبالغة.

كما يجب أن يثق بقدراته حتّى لا تتحول مقاومة الآخر له إلى حاجز يعوق تطوره داخل الشركة الجديدة.

لا يمكن للموظف الجديد- بالتأكيد- تجاوز حالة الصدمة الأولى بشكل منفرد وبمعزل عن الآخرين، فهو بحاجة لهم وبحاجة للتأقلم مع بيئته الجديدة، وهم جزء من هذه البيئة، بل الجزء المهم أيضًا، إذن فهو بحاجة ماسة لثقة الموظفين السابقين، وخاصة من لهم، ارتباط مباشر بوظيفته الجديدة، لأنهم بالتأكيد أكثر من سيشعرونه بمقاومتهم لوجوده، لأن عمله يصب في عملهم بشكل مباشر، هناك أيضًا من سيشعره بعدم رغبته في وجوده، ليس لأمر إلّا لشعوره بالتعاطف والتضامن مع موظف سابق كان مكنه، إما ترك وظيفته، أو فقدها مثلاً...

لا يجب أن يتوانى الموظف عن طلب النصح والاستشارة من زملائه، حتّى لو كان بإمكانه أن يعمل بشكل مستقل، ولو كان مبدعاً لدرجة لم يكن بحاجة لأحد، ويمكنه استيعاب كل شيء وحده، ولكن بهذه الطريقة يمهد لطريق المودة بينه وبين رفاقه المستقبليين.. لأنه سيشعرهم بأنه بحاجة لهم ولمعرفتهم، وبأنه يثق فيهم وفي مؤهلاتهم، كما أنه يقدر مساعدتهم ويشعر بالامتنان لذلك.

العمل في جلّ المؤسسات والشركات هو عمل جماعي حتّى وإن كان الشخص مؤهلًا للانفراد بعمله والامتياز فيه من دون مساعدة الآخرين، وهذا المفهوم - القديم والحديث- للعمل والذي نتجاهله في العديد من مؤسساتنا هو ما يشكل ميزة عملية لدى المجتمع الغربي، ويجعلهم يتميّزون ويتفوقون.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق