المشرف العام
أفكار
الخدمة الاجتماعية.. وروح المبادرة الإيجابية
 
تمت الإضافة بتاريخ : 25/08/2014م
الموافق : 29/10/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

الخدمة الاجتماعية.. وروح المبادرة الإيجابية

 

د.عطية الويشي

الإيجابية وصف منحوت من المجاوبة بين إنسان وآخر، لمجرد ظهور علامة الموافقة والاستجابة. والإيجابية هنا: إنما تعكس معنى المطاوعة وسهولة الطبع ولين الجانب وإرخاء الجناح والتواضع، بما يؤدي إلى التفاعل المتكامل والمساعدة المتساندة بين الناس، لإقرار قيم البر والمعروف والعدل والإحسان بين أفراد المجتمع، وهذه معاني تمثل بطبيعتها: عصب الخدمة الاجتماعية والتطوعية المحتسبة.

والسمة الإيجابية المميزة للخدمة الاجتماعية في هذا السياق: تعبير عن روح مؤمنة مستجيبة لالهامات الذكر الحكيم.. متسقة مع توجيهات الكتاب المستبين.. سخية في إيعازها لصاحبها بوقف نفسه خدمة للناس، ووضعها رهن حاجتهم ابتغاء مرضاة الله تعالى، فهي إيجابية متطوعة. فالإنسان الإيجابي ذو نفس سلسلة منقادة بطبيعتها إلى خير الناس أجمعين.. مرهونة لخدمتهم.. مكتوب على ناصية صاحبها «وقف لله تعالى»، فحيثما أمره الله وجده، وحيثما نهاه افتقده. وهذه الإيجابية المتطوعة: إنما تحمد في الفرد، وتكون أكثر حمدا في الجماعة.. قال تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ..} (الشورى:26)، فحينئذ يعم الخير وتتسع رقعة البر ويستأنس الناس بقيمة الإيمان في هذه الحياة.

ونستطيع أن نلخص المعنى العملي للإيجابية في الخدمة الاجتماعية متمثلا في: المبادرة إلى القول أو الفعل الخيري بباعث ذاتي يوجه الإنسان نحو تنمية المجتمع ورقيه وسعادة أفراده ورغد معيشتهم، وذلك بالتسديد والمقاربة ومعالجة الخلل ومداواة القصور، في إطار ما يمكن تسميته بثقافة الرضا الاجتماعي، التي تعكس امتنان المفعول لهم لمبادرة الفاعل؛ فنحن إزاء حالة من الإيجاب والقبول بين مكونات الجملة الفعلية الخيرية؛ فإذا رأى زيد عمرا يوشك أن يسقط فبادر زيد إلى إقالته من عثرته.. هنا يكون قبول عمرو أمرا مفترضا بالنظر لحاله التي استجاب لها زيد فساعده بتلقائية الفطرة السوية والسجية النبيلة والذوق السليم.

وأتصور أن الإيجابية لكي تتحقق بمفهومها التنموي الاجتماعي إنما تتطلب بداية:

قدرا معتبرا من احترام الحريات وحقوق الإنسان في المشاركة الاجتماعية، بمبادرة ذاتية أو من خلال مؤسسات المجتمع الأهلي، التي من شأنها أن تعزز في الإنسان روح الإقدام والمبادرة إلى الفعل الإيجابي، بما تقتضيه الفطرة السوية والبديهة الاجتماعية، دونما تهيب ولا تراجع أو انكماش.

نموذجا بشريا مؤمنا ذا استجابة عالية للتحديات، ولديه قابلية مشهودة للتفاعل الإيجابي الرشيد مع معطيات النهضة المدنية والبناء الحضاري المتميز..

والإنسان الإيجابي شخص متفان مقدام.. غير متهور.. سريع الاستجابة لدواعي النجدة والخدمة والعطاء الاجتماعي... أي سابق بالخيرات.. مستبق الناس إليها.. متسابق في مجالها.. { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} (المؤمنون:61)؛ فالسابقون بالخيرات هم الذي يتحسسون حاجات الناس فيسعون إلى تغطيتها والوفاء بها... وهم الذين يتلمسون أسباب رقي مجتمعهم ورفعة أمتهم؛ فيستشعرون الواجب وينهضون لأدائه دون توان أو انتظار مقابل عما يعملون من خير.. إنهم بلسان حال وصف الذكر الحكيم يقولون: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شكورا} (الإنسان:9). وفي وصف أدق لإيمانية الخدمة الاجتماعية يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون:60).

ولقد ضرب رسل الله وأنبياؤه المثل الأعلى في الخدمة الاجتماعية المتفانية، وفي العمل التطوعي المخلص.. فرصد القرآن الكريم نماذج نبوية إصلاحية كم ضحت وتفانت بإخلاص لله تعالى في توعية وتبصير وإصلاح وخدمة مجتمعاتهم، من أجل بنائها بناء راسخا متينا متماسكا.. لم يتوخوا في ذلك أجرا ولا ثناء ولا شكورا.. {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ  إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء:109).

قال تعالى مصورا مشهد موسى عليه السلام وقد بادر الفتاتين سائلا إياهما حول موقفهما الذي يمتزج فيه الحياء القلق بقلة الحيلة إزاء تدافع السقاء على الماء دون مبالاة بالآخرين، ولاسيما إذا كن بنات يؤثرن العفة بالالتفات عن غوغائية الرعاء.. وقد استجاش مروءته واستثار همته موقف ابنتي شعيب -وهما تجيبانه عن ظروفهما بحديث وقور يستثير نخوة ومروءة كل ذي نفس أبية غيورة.. فيما تبدوان قليلتي الحيلة لا تستطيعان سقي أغنامهما وسط الزحام المتدافع.. وفي جو الحر الشديد.. وأبوهما فيما يبدو من حديثهما شيخ لا قدرة لديه على النهوض بهذه النوعية من الأعمال.. قال تعالى: { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ? قَالَ مَا خَطْبُكُمَاٌ} (القصص:23)؛ وإذا توقفنا قليلا عند قول موسى {مَا خَطْبُكُمَاٌ}، فهو سؤال ينم عما استرعاه من علامات الحرج التي بدت على الفتاتين كلتيهما.. حرجا ممتزجا بإيحاءات الخطاب الحيي الوقور الذي استلفت نخوته ومروءته فبادر بسؤالهما عن شأنهما وكلتاهما تعانيان حيرة الاضطرار.. فأفصحتا عما يهمهما حين تفرستا صدق لهجته وتبينتا أمارات رجولته البارة ونخوته الملتزمة.. حيث { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ  وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (القصص:23)؛ فما كان من موسى إلا أن بادر متطوعا بالسقي لهما دون سابق معرفة أو تحر لأجر أو انتظار لشكر مقابل موقفه الكريم.. {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} (القصص:24).

ولعلنا نلاحظ أن ورود الفاء في صدر الجملة الفعلية الإيجابية: إنما يدل على فطرة الخير المتبادرة إلى التجاوب المتفاعل مع متطلبات الموقف بمسؤولية واقتدار متجرد، ومهما كانت التضحيات.. فالإنسان الإيجابي رجل موقف، وقف لله تعالى على خدمة أهله ومجتمعه.. {يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ } (هود:51).

وفي سياق مواز، نجد أن النص مشحون بمعان ودلالات اجتماعية بالغة العمق والحكمة والثراء.. إذ نلمس إشارات مقتضبة إلى أن المرأة المسلمة كانت تخرج للعمل والمشاركة في الخدمة العامة، بحسب متطلبات الحياة وضرورتها {َأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير}.. ذلك على الرغم من أن ذلك المجتمع لم يكن في مجمله مسلما، ولم يكن متمتعا بقدر كاف من النزاهة والعدل والصلاح والعدالة الاجتماعية التي تغري بالاندماج فيه والتفاعل معه.. قال تعالى يصف حال مجتمع مدين وأوضاعهم العقدية والأخلاقية: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا  لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (الأعراف:85).

لكن إيجابية شعيب النبي ومسؤولياته الإيمانية الأخلاقية عن مجتمعه.. كانت تقتضي الدعوة والإصلاح والتوجيه الاجتماعي والترشيد الأخلاقي توخيا للفلاح وتأملا في الخير والصلاح للبلاد.. فقد أفنى شعيب عمره في محاولات إصلاحه بمنطق الحكمة والموعظة الحسنة؛ ترغيبا وترهيبا، تشفقا بهم وتشوفا إلى هدايتهم.. ولم يزل على مبدئه.. يتخولهم بالموعظة والخطاب الأخوي الشفوق، ويتوخاهم بالرعاية الأخلاقية والمتابعة الدءوبة لأحوالهم حرصا عليهم.. وبذل النصيحة لهم تحذيرا وتبشيرا.. مبديا حرصه على الوحدة الاجتماعية والتوافق العام {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا  وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ  إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ  وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ  عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} (هود:88). وقد أدى شعيب خدماته الاجتماعية في إطار المهمة النبوية، رغم التعريض به وبمن معه، والانتقاص من شأنهم وتهديدهم وممارسة الإكراه الأيديولوجي عليهم، والتلويح بطردهم من وطنهم.. قال تعالى: { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} (الأعراف:88).

لكن كل ذلك لم يثن شعيبا والذين معه عن استمرارية الخدمة الاجتماعية كفطرة ورسالة، بل كانوا يتحرون أسباب كل باب ينفتح على الحوار معهم ويتيح لهم أكبر قدر من ممارسة واجباتهم تجاه مجتمعهم مهما كانت المعوقات.. {علَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} (الأعراف:89).

وبرغم كل التحديات التي واجهته على الصعيد الاجتماعي العام، فهو لا يفتأ يذكر قومه بالرابطة الأخوية القومية والوطنية المشتركة، أملا في فلاحهم وصلاح أحوالهم الاجتماعية.. فيربأ بهم عن الشرك والظلم والغش والانحراف.. مبديا إشفاقه عليهم من سوء العاقبة.. وهو في ذلك يشجعهم ويستجيش فيهم نخوة الخير ويقظة الضمير.. {قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ  وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ  إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} (هود:84). إنها المسؤولية الاجتماعية، كانت بمثابة ثقافة ونزعة إيجابية وسمة إصلاحية من سمات أسرة شعيب عليه السلام.

لكننا على الجانب الآخر، نجد أن الإيجابية فضلا عن كونها تحقق ذاتا محترمة للإنسان، فإنها في الوقت ذاته تشبع غريزته الاجتماعية وتنسجم مع مقتضى طبعه المدني، وتجعل هذا الإنسان رقما مهما في أية حسابات اجتماعية وسياسية وحضارية يصعب تجاهله أو تجاوزه.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق