المشرف العام
قدوات
الإمام مالك .. إمام دار الهجرة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 17/08/2014م
الموافق : 21/10/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

الإمام مالك .. إمام دار الهجرة

 

هشام عبد المنعم

هو شيخ الإسلام، حجة الأمة، إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خُثَيْل بن عمرو بن الحارث، وأمه هي: عالية بنت شريك الأزدية، وأعمامه هم: أبو سهيل نافع وأويس، والربيع، والنضر، أولاد أبي عامر.

ولد الإمام مالك على أرجح الروايات عام 93هـ، عام موت أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقـد نزل جد مالك بالمدينة المنورة عندما جاءها متظلمًا من بعض ولاة اليمن، فاتخذها مستقرًا ومقامًا.

وكان جد مالك بن أنس من كبار التابعين، حيث روى عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وعائشة أم المؤمنين. وقد روى عن مالك بنوه، ومنهم أنس أبو إمام دار الهجرة، ونافع المكنى بأبي سهيل، وكان أبو سهيل هذا أكثرهم عناية بالرواية، ولذلك عدَّ من شيوخ ابن شهاب الزهري، وإن كان مقاربًا له في السن.

نشأ الإمام مالك بن أنس في بيت كان يتجه إلى العلم ورواية الحديث، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتجه في أول نشأته إلى العلم والرواية، وكان للإمام مالك أخ اسمه النضر سبقه في طلب الحديث وكان ملازمًا للعلماء من التابعين يأخذ عنهم؛ ولذا لما اتجه مالك إلى الرواية كان يعرف بأخي النضر لشهرة أخيه، فلما ذاع أمره بين شيوخه صار أشهر من أخيه، وصار يذكر النضر بأنه أخو مالك.

ولقد كانت البيئة العامة، مع البيئة الخاصة توعز إليه بالاتجاه إلى العلم وطلبه، فقد كانت بيئة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومهاجره الذي هاجر إليه، وموطن الشرع، ومبعث النور، ومعقد الحكم الإسلامي الأول، وقصبة الإسلام في عهد أبي بكر وعمر وعثمان. وكان عهد عمر هو العهد الذي انفتقت فيه القرائح الإسلامية تستنبط من هدي القرآن والرسول أحكامًا تصلح للمدنيات والحضارات التي أظلها الإسلام بسلطانه

هذه هي المدينة وقت نشأة مالك، وفي ظلها وظل بيئته الخاصة التي توجهه إلى العلم نشأ إمام دار الهجرة.

الإمام مالك يطلب العلم

اتجه الإمام مالك إلى حفظ القرآن الكريم فحفظه، وقد اقترح على أهله أن يحضر مجالس العلماء؛ ليكتب العلم ويدرسه. وقد أجابوا طلبه، فألبسته أمه أحسن الثياب، وعممته، ثم قالت له: اذهب فاكتب الآن"، ولم تكتفِ أمه بالعناية بمظهره، بل كانت تختار له ما يأخذه عن العلماء، فقد كانت تقول له: "اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه"[1].

وأخذ الإمام مالك بعد ذلك يتنقل في مجالس العلماء، كالطير تتنقل بين الأشجار تأخذ من كل شجرة ما تختار من ثمرها. حتى وُفق إلى ملازمة شيخه ابن هرمز.

وكان الإمام مالك معجبًا بشيخه، محبًا له، مقدرًا لعلمه، وقد قال عنه: "جالست ابن هرمز ثلاث عشرة سنة في علم لم أبثه لأحد من الناس". ثم قال: "وكان –أي: ابن هرمز- من أعلم الناس بالرد على أهل الأهواء، وبما اختلف فيه الناس".

وكان الإمام مالك يتأدب بأدب شيخه، ويأخذ بحكمته، ولقد قال في ذلك: سمعت ابن هرمز يقول: "ينبغي للعالم أن يورثَ جلساءه قول لا أدري"، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه، فإذا سئل أحدهم عمَّا لا يدري، قال: "لا أدري".

ولذلك يقول ابن وهب تلميذ مالك: "كان مالك يُسألُ فيكثرُ من قوله: لا أدري.

اجتهد الإمام مالك في طلب العلم من جميع نواحيه، وبذل الجهد ولم يدخر وسعًا في طلبه، فكان يتحمل في سبيله كل مشقة، ويبذل أقصى ما يملك، حتى كان يبيع سقف بيته ليسمر في طلبه، قال ابن القاسم: "أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه".

الإمام مالك معلمًا

جلس الإمام مالك للدرس ورواية الحديث بعد أن تزود من زاد المدينة العلمي، واستوثق لنفسه، واطمأن إلى أنه يجب أن يُعلِّم بعد أن تَعَلم، وأن ينقل للناس أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعها من الثقات، وأن يُفتي ويخرِّج، ويرشد المستفتين. ولكنه قبل أن يجلس للدرس والإفتاء استشار أهل الصلاح والفضل. وقد قال في ذلك: "ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور أهل الصلاح والفضل، فإن رأوه لذلك أهلاً جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك".

 

صفات الإمام مالك

لقد أوتي الإمام مالك حافظة واعية، وحرصًا شديدًا على الحفظ، وصيانة ما يحفظ من النسيان. وقد سمع من ابن شهاب الزهري واحدًا وثلاثين حديثًالم يكتبها، ثم أعادها على شيخه، فلم ينس منها إلا حديثًا واحدًا، وإنه كان ينمي الحفظ وشدة الوعي في عصر مالك كثرة الاعتماد على الذاكرة، فالعلم ما كان يؤخذ من الكتب، بل كان يُتلقى من أفواه الرجال، وكانت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مدونة في كتاب مسطور، بل كانت في القلوب ومذكرات خاصة للشيوخ، لا يتداولها التلاميذ، وإنما يتلقون ما احتوته من أفواه كتابها.

ولا شك أنَّ الحافظة القوية أساس للنبوغ في أي علم؛ لأنها تمد العالِم بغذاء عقله ليكون أساسًا لفكره. وكان مالك بهذه الحافظة القوية المحدث الأول في عصره، حتى إنَّ الشافعي قال: "إذا جاء الحديث، فمالك النجم الثاقب"، وقال فيه شيخه ابن شهاب: مالك هو وعاء العلم.

وكان الإمام مالك مع هذه القوة العقلية الواعية، ذا جلد وصبر ومثابرة، فكان يُغالب كل المعوقات التي تقف في سبيل طلبه للعلم: عالج شظف العيش وهو يشدو في طلبه، وعالج حدة الشيوخ، وصبر على حر الهجيرة كما صبر على قارس البرد، وهو يسعى إلى الشيوخ متنقلاً إليهم في القر والحر. وكان يحث تلاميذه على الصبر على طلب العلم، ويقول: "من طلب هذا الأمر صبر عليه"، وقال لهم في أحد مجالسه: "لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم، حتى يضر به الفقر ويؤثره على كل حال".

أعطته هذه الصفة قوة إرادة وعزيمة جعلته يواجه مشكلات الحياة بإرادة صارمة، وجعلته يستولي على أهوائه وشهواته، فما سيطر عليه هو جامح، ولا ضعف أمام ذي سلطان. وذلك فوق ما تمكن بها من طلب العلم من كل نواحيه.

والصفة التي أشرق بها قلبه بنور الحكمة هي الإخلاص، حيث أخلص في طلب العلم، فطلبه لذات الله، ونقَّى نفسه من كل شوائب الغرض والهوى. وأخلص في طلب الحقيقة، واتجه إليها من غير عوج ولا أمت. والإخلاص يضيء الفكر فيسير على خط مستقيم، وهو أقرب الخطوط للوصول إلى الحق، كما هو أقرب الخطوط بين نقطتين. وإنه لا شيء يعكر صفو الفكر أكثر من الهوى، فإنه يكون كالغيم على الحقائق فيمنع العقل من رؤيتها.

ولقد دفعه الإخلاص لأن يقول ويقرر أن نور العلم لا يؤنس إلا من امتلأ قلبه بالتقوى، فهو يقول: "العلم نور لا يأنس إلا بقلب تقي خاشع".

ولإخلاصه في طلب العلم كان يبتعد عن شواذ الفتيا، ولا يفتي إلا بما هو واضح نير، وكان يقول: "خير الأمور ما كان ضاحيًا نيرًا، وإن كنت في أمرين أنت منهما في شك، فخذ بالذي هو أوثق".

وكان الإمام مالك يتأنى في الفتوى ولا يسارع إلى الإجابة، وقد قال ابن عبد الحكم: "كان مالك إذا سُئل عن المسألة، قال للسائل: انصرف حتى أنظر، فينصرف، ويتردد فيها. فلمَّا سئل عن ذلك بكى، وقال: "إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم".

وكان الإمام مالك يعتبر الفتاوى أمرًا شاقًا ما دام يترتب عليها تحليل أو تحريم. ولمَّا سئل عن مسألة وقيل له إنَّ المسألة خفيفة! غضب، وقال: "ليس في العلم شيء خفيف. قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}[المزمل:5]، فالعلم كله ثقيل، وخاصة ما يُسأل عنه يوم القيامة".

وكان الإمام مالك لشدة حرصه وإخلاصه لا يفتي في مسألة بحلال أو حرام إلا إذا كان ثمة نص صريح صحيح. أما ما يكون استنباطا بوجه من وجوه الرأي، فإنه لا يقول حلال وحرام، بل يقول: أكره وأستحسن. وكثيرًا ما كان يعقب على ذلك بقوله مقتبسًا من القرآن: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}[الجاثية:32].

وقد دفعه إخلاصه لأن يبتعد عن الجدل في دين الله، ويدعو إلى عدم المجادلة في دين الله؛ لأن المجادلة نوع من المنازلة، ودين الله تعالى أعلى من أن يكون موضع منازلة بين المسلمين؛ ولأن الجدل يدفع في كثير من الأحيان إلى التعصب للفكرة من غير أن يشعر المجادل، والتعصب يجعل نظر المتعصب جانبيًا لا يرى إلا من ناحية واحدة. ثم كان يرى أنَّ الجدل لا يليق بكرامة العلماء؛ لأن السامعين ينظرون إليهم، وهم يتغالبون في القول، كما ينظرون إلى الديكة وهي تتنافر.

ونظرًا لكراهية الإمام مالك للجدل فقد أكثر من النهي عنه، وكانت له عدة أقوال تنهى عنه، مثل قوله: الجدال يُقسي القلب، ويورث الضغن. وقوله: المراء والجدال في الدين يذهب بنور العلم من قلب العبد.

وقيل له: رجل له علم بالسنة أيجادل عنها؟ فقال: لا، ولكن ليخبر بالسنة، فإن قبل منه، وإلا سكت.

وكان يرى أنَّ الجدل يبعد المتجادلين عن حقيقة الدين، وقال في ذلك: كلما جاء رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل.

ومع نهيه عن الجدل إلا إنه كان يناظر بعض العلماء المخلصين؛ ليبين لهم الدليل، ويناقشهم فيه ويناقشونه.

 

فراسة الإمام مالك

وقد كان مالك ذا فراسة قوية تنفذ إلى بواطن الأمور، وإلى نفوس الأشخاص، يعرف ما يخفون في نفوسهم من حركات جوارحهم، ومن لحن أقوالهم.

وإنَّ الفراسة صفة تتكون في الشخص من قوة إحساسه، وشدة يقظته العقلية والنفسية، ونفاذ البصيرة، والتتبع الشديد لحركة الأعضاء، والتجارب الكثيرة لعقل قوي أريب، وذلك كله يهبه العليم الخبير، والتربية تنميه وتقويه.

وقال الشافعي في فراسة مالك: "لما سرت إلى المدينة ولقيت مالكا وسمع كلامي، نظر إليَّ ساعة وكانت له فراسة- ثم قال: ما اسمك؟ قلت محمد. قال يا محمد اتقِ الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن".

والفراسة النافذة إلى نفوس الأشخاص التي تكشف كنه أمورهم، من الصفات التي يعلو بها كل من يتصدى لإرشاد الناس وتعليمهم؛ فإنه يستطيع أن يعرف خبايا أمراضهم، فيعطيهم الدواء الشافي والغذاء الصالح الذي تقوى على هضمه، ويتم به شفاء النفس وسلامتها وقوتها.

هيبة الإمام مالك

اتفقت الروايات على أنَّ الإمام مالك كان مُهابًا، حتى إن الرجلَ ليدخل إلى مجلسه فيقرئ السلام للحاضرين، فما يرد أحد إلا هممة وبصوت خفيض، ويشيرون إليه ألا يتكلم. فيستنكر عليهم القادم ذلك، ولكنه ما أن يملأ العين من مالك وسمته، ويقع تحت تأثير نظراته النافذة حتى يأخذ مأخذهم، ويجلس معهم، كأن على رأسه الطير مثلهم.

اعتناء الإمام مالك بمظهره

وكان الإمام مالك يعتني بمظهره، فكان يعنى بأثاث منزله وبملبسه، فيلبس أجود الثياب، ويعنى بنظافتها وتنسيقها، وقد أوتي بسطة في الجسم، فكان له مظهر جسمي ممتاز.

وقد قال أحد تلامذته في وصفه: "كان طويلاً جسيمًا، عظيم الهامة، أبيض الرأس واللحية، شديد البياض، أي: أشقر، أعين، أي: واسع العين، أزرق العينين، حسن الصورة، أشم الأنف، عظيم اللحية تبلغ صدره، أصلع، ذات سعة وطول. وكان يأخذ أطراف شاربه ولا يحلقه، ولا يحفيه، ويرى حلقه من المثلة، ويترك له سبلتين طويلتين، ويحتج بفتل عمر لشاربه إذا أهمه أمر"[2].

 

قال عيسى بن عمر: ما رأيت قط بياضا ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب من مالك.

وقال أبو عاصم: ما رأيت محدثًا أحسن وجهًا من مالك.

وقال أبو مصعب: كان مالك من أحسن الناس وجهًا وأجلاهم عينًا وأنقاهم بياضًا وأتمهم طولاً في جودة بدن.

وقال الوليد بن مسلم: كان مالك يلبس البياض ورأيته والأوزاعي يلبسان السيجان.

وقال خالد بن خداش: رأيت على مالك طيلسانا وثيابا مروية جيادا.

وقال مصعب: كان يلبس الثياب العدنية ويتطيب.

قال أشهب: كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه ويسدل طرفها بين كتفيه.

وقال أشهب: كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت حنكة وأرسل طرفها خلفه وكان يتطيب بالمسك وغيره.

قال بشر بن الحارث: دخلت على مالك فرأيت عليه طيلسانا يساوي خمس مئة وقد وقع جناحاه على عينيه أشبه شيء بالملوك.

وقال ابن وهب: رأيت مالكا خضب بحناء مرة.

قال الواقدي: كان ربعه لم يخضب ولا دخل الحمام.

وقال أشهب: كان إذا اجتحل للضرورة جلس في بيته[3].

وهكذا كانت صفاته الجسمية والعقلية، وأخلاقه وأحواله، من شأنها أن تربي المهابة منه، وقد بلغت هيبته حدًا أعلى من هيبة الملوك، حيث دخل عليه بعض أهل الأندلس، فقال بعد أن رآه: "ما هبت أحدا هيبتي من عبد الرحمن بن معاوية - أي: عبد الرحمن الداخل -، فدخلت على مالك بن أنس فهبته هيبة شديدة صغرت معها هيبة ابن معاوية".

محنة الإمام مالك

تعرض الإمام مالك لمحنة لروايته حديث: "ليس على مستكره يمين" فرأى الخليفة والحكام أن التحديث به ينقض البيعة، إذ كانوا يُكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة، وبسبب ذلك ضُرب بالسياط وانخلعت كتفه.

قال الدراوردي: لما أحضر مالك لضربه في البيعة التي أفتى بها -وكنت أقرب الخلق منه- سمعته يقول: كلما ضُرب سوطًا: "اللهم اغفر لهم، فإنهم لا يعلمون" حتى فرغ من ضربه.

قال مطرف: فرأيت آثار السياط في ظهره، قد شرحته تشريحًا، وكان حين مدوه في الحبل بين يديه خلعوا كتفه، حتى ما كان يستطيع أن يسوي رداءه.

قال إبراهيم بن حماد إنه: "كان ينظر إلى مالك إذا أقيم من مجلسه حمل يده بالأخرى".

وكان لذلك وقع شديد في نفوس أهل المدينة وطلاب العلم الذين قصدوه. فقد رأوا فقيه دار الهجرة وإمامها ينزل به ذلك، وما حرض على فتنة، ولا بغى في قول، ولا تجاوز حد الإفتاء، ونكأ جروحهم أنه سار على خطته بعد الأذى، فلزم درسه بعد أن رقئت جراحه، واستمر لا يحرض على فتنة. ولا يدعو إلى فساد، فنقموا ذلك الأمر من الحاكمين، وسخطوا عليهم، وغلت النفوس بالآلام منهم.

وقال الجياني: "بقي مالك بعد الضرب مطابق اليدين، لا يستطيع أن يرفعهما، وارتكب منه أمر عظيم، فو الله ما زال مالك بعد ذلك الضرب في رفعة من الناس وعلو وإعظام، حتى كأنما كانت تلك الأسواط حلياً حلي بها".

ثم إنَّ الحكام أحسوا مرارة ما فعلوا، أو على الأقل أرادوا أن يداووا الجراح التي جرحوها، وخصوصا أبو جعفر المنصور، فإنه لم يكن في ظاهر الأمر ضارباً، ولم يثبت أنه أمر بضرب، أو رضَى عنه. ولذلك لما جاء إلى الحجاز حاجا، أرسل إلى مالك يستدعيه ليعتذر إليه. ولنسق الخبر كما جاء على لسان مالك رضي الله عنه، لنرى مقدار عظمته في سماحته، كما كان عظيما بعلمه وخصاله ومهابته، وها هو ذا الخبر كما في ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض السبتي:

لما دخلت على أبي جعفر، وقد عهد إلي أن آتيه بالموسم، قال لي: والله الذي لا إله إلا هو، ما أردت الذي كان ولا علمته، وإنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني أخالك أماناً لهم من عذاب الله، ولقد رفع الله بك عنهم سطوة عظيمة، فإنهم أسرع الناس للفتن، وقد أمرت بعدو الله أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب، وأمرت (نصيرا) بحبسه، والاستبلاغ في امتهانه ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه.

فقلت عافى الله أمير المؤمنين وأكرم مثواه.

ونزهته من أمري، وقلت له: قد عفوت عنه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته منك.

فقال لي: عفا الله عنك ووصلك.

وقد كان الإمام مالك قد عفا عن ضاربه قبل ذلك:

قال القروي والعمري: لما ضرب مالك ونيل منه، حُمل مغشيًا عليه، فدخل الناس عليه، فأفاق فقال: أشهدكم إني جعلت ضاربي في حل.

فعدناه في اليوم الثاني فإذا به قد تماثل، فقلنا له ما سمعنا منه، وقلنا له: قد نال منك.

فقال: تخوفت أن أموت أمس فألقى النبي صلى الله عليه وسلم، فأستحي منه أن يدخل بعض أهله النار بسببي.

فما كان إلا مدة، حتى غضب المنصور على ضاربه، وضُرب ونيل منه أمر شديد، فبشر مالك بذلك فقال: سبحان الله! أترون حظنا مما نزل بنا الشماتة به؟ إنا لنرجو له من عقوبة الله أكثر من هذا، ونرجو لنا من عفو الله أكثر من هذا، ولقد ضرب فيما ضربت فيه محمد بن المنكدر، وربيعة، وابن المسيب، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر".

وهكذا خرج الإمام من هذه المحنة مكرما، وزاد بها رفعة عند الخليفة وعند الناس.

وفاة الإمام مالك

عاش الإمام مالك بن أنس مكرمًا، محفوفًا بالمهابة والسكينة، لا يجيء أحد إلى المسجد النبوي، إلا عرج على مالك يستمع إليه، وينقل عنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستفتيه فيما يقع له من أمور.

وقد عاش رضي الله عنه جزءًا كبيرًا من حياته عليلاً، وما كان يعلم بعلته أحد، فكان بعض الناس يظنون الظنون حول حاله، ولكنه لا ينطق بها.

كان للإمام مالك درس بالمسجد النبوي، ثم جعله في بيته، خضوعًا لحكم العلة، وشدة المرض، وكان يخرج إلى الجمع والأعياد، ويعود المرضى، ويشيع الجنائز...، ثم لزم بيته ولم يعد يخرج بسب مرضه، وإذا سئل عن مرضه يقول: "ليس كل الناس يذكر عذره"، ولم يذكر مرضه إلا ساعة أن حضرته الوفاة، فعندئذ قال: "لولا أني في آخر يوم من أيام حياتي ما أخبرتكم. مرضي سلس البول، كرهت أن آتي مسجد رسول الله بغير وضوء كامل، وكرهت أن أذكر علتي فأشكو ربي".

وهكذا كان الإمام مالك رضي الله عنه، الرجل الكريم العظيم الجليل يعيش في مرض قد يتنافى مع كل ما كان يظهر به من تجمل، ولكن صبر صبرًا جميلاً، فكان صبره من غير أنين ولا شكوى ولا إعلام للناس، فرضي الله عنه وأرضاه، وغفر له، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنّة. آمين.

fiogf49gjkf0d

         أضف تعليق