المشرف العام
قدوات
الشيخ محمد رفعت.. صوت رمضان
 
تمت الإضافة بتاريخ : 14/07/2014م
الموافق : 17/09/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

الشيخ محمد رفعت.. صوت رمضان

 

محمد عبدالعزيز

من الصعب أن يكون مولده في العام 1882م، الذي شهد الاحتلال الإنجليزي لمصر من قبيل المصادفة، فقد أسلم على يديه العديد من المحتلين الذين كانوا يستمعون إليه أثناء تلاوته القرآن في مسجد مصطفى فاضل. إنه الشيخ محمد رفعت الذي ولد في يوم الاثنين التاسع من شهر مايو عام 1882 بحي المغربلين بالقاهرة وكان والده "محمود رفعت" مأمورا لقسم شرطة الخليفة بوسط العاصمة المصرية، وما لبث أن أصيب في طفولته بمرض الرمد وفقد على أثره البصر، فألحقه والده بالكُتَّاب الملحق بجامع مصطفى فاضل، وفيه استكمل حفظ القرآن الكريم وتعلم أصول وقواعد القراءات.

عندما بلغ الخامسة عشرة من عمره تم تعيينه قارئا للقرآن الكريم بمسجد مصطفى فاضل بحي السيدة زينب رضي الله عنها، وكان المسجد يزدحم بالمصلين كل يوم جمعة للاستماع إليه، وكان من أكثر الحريصين على الاستماع إليه الملك فاروق والنحاس باشا. كما كان المسجد يضم شرفة علوية كبيرة يجلس بها الأجانب للاستماع لصوت الشيخ محمد رفعت، الذي ملك قلوبهم وعقولهم، وكان صوته سببا في دخول كثير منهم إلى الإسلام.

الأول إلى الإذاعة

لم يكتف الشيخ محمد رفعت بموهبته الصوتية اللافتة، ومشاعره المرهفة في قراءة القرآن، بل عمق هذا بدراسة علم القراءات وبعض التفاسير، واهتم بشراء الكتب، كما امتاز بعفة النفس والزهد في الحياة، فلم يكن طامعا في المال لاهثا خلفه، إنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة، فكانت مقولته: "إن سادن القرآن لا يمكن أبدًا أن يُهان أو يُدان"، ضابطة لمسار حياته. قال ذلك حينما عرضت عليه بعض محطات الإذاعة الأهلية أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم نظير مبالغ مالية، إلا أنه رفض مؤكدا أن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغاني الخليعة التي كانت تبثها هذه القنوات الإذاعية.

وعندما افتُتحت الإذاعة المصرية يوم الخميس 31-5-1934م، خشي أن يستمع الناس إلى القرآن وهم غير خاشعين، فاستفتى الأزهر وهيئة كبار العلماء عما إذا كانت إذاعة القرآن حلالا أم حراما؟ فجاءت فتواهم بأنها حلال حلال، فكان "رفعت" أول من افتتحها بصوته العذب، وقرأ: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا"، جاء صوته نديا خاشعا.

وقد تنافست إذاعات كبرى العالم مثل: إذاعة برلين، لندن، باريس، أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لتستهل افتتاحها وبرامجها العربية بصوت الشيخ محمد رفعت؛ لتكسب الكثير من المستمعين، إلا أنه لم يكن يعبأ بالمال والثراء، وأبى أن يتكسَّب بالقرآن، إذ عُرض عليه العام 1935 أن يذهب إلى الهند مقابل 15 ألف جنيه مصري، فاعتذر، فوسّط نظام حيدر آباد الخارجية المصرية، وضاعفوا المبلغ إلى 45 ألف جنيه، فأصر الشيخ على اعتذاره قائلا: "لا أبحث عن مال، فالدنيا كلها عرض زائل".

كما تلقى العديد من العروض المماثلة، منها عرضا من المطرب محمد عبد الوهاب بأن يسجل له القرآن الكريم كاملاً مقابل أي أجر يطلبه، فاعتذر الشيخ خوفًا من أن يمس الأسطوانة أحد غير طاهر.

مع البسطاء

عُرف عن الشيخ محمد رفعت العطف والرحمة، فكان يجالس الفقراء والبسطاء، كما كان لا ينام حتى يطمئن على حصانه، ويطعمه ويسقيه بنفسه، ويوصي أولاده برعايته، كما كان وجدانه يهتز هزا عنيفا في المواقف الإنسانية، فتفيض روحه بمشاعر جياشة لا تجد تعبيرًا عن نفسها إلا في دموع تنساب بلا انقطاع. وحدث أن ذهب لزيارة أحد أصدقائه المرضى، وكان في لحظاته الأخيرة، وعندما أراد الانصراف أمسك الصديق بيده ووضعها على كتف طفلة صغيرة، وقال له: "تُرى، من سيتولى تربية هذه الصغيرة التي ستصبح غدًا يتيمة"، فلم يتكلم رفعت، وفي اليوم التالي كان يتلو القرآن من سورة الضحى، وعندما وصل إلى آية "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر"، ارتفع صوته بالبكاء، وانهمرت دموعه كالسيل عندما تذكر سؤال صديقه، ثم خصص مبلغًا من المال لهذه الفتاة حتى كبرت وتزوجت.

إلى العالمية

وعلى الرغم من مئات الدعوات التي وجهت إلى الشيخ محمد رفعت من العديد من دول العالم، إلا أنه لم يغادر مصر أبدا، ومع ذلك تجاوزت شهرته المحلية إلى العالمية، حيث حرصت كبرى الإذاعات على بث تسجيلاته باستمرار لتستقطب المستمعين.

ثم طلبت منه إذاعة BBC البريطانية أن يسجل لها القرآن بصوته، فاستشار الشيخ المراغي شيخ الأزهر الذي بارك له هذه الخطوة، فسجل لها سورة مريم، بعد ذلك طلبت منه الإذاعة الأهلية أن يسجل لها وكان في مرضه الأخير، فسجل لها بعض السور كالكهف ومريم ويونس على أسطوانتين، إلا أن صوته كان ضعيفا، وظلت الإذاعة تذيع له تلك التسجيلات طيلة حياته ولم يكن راضياً عنها, وبعد وفاته علم المسؤولين بالإذاعة أن هناك تسجيلين آخرين عند صديقيه زكريا مهران ومحمد خميس وبعض التسجيلات الأخرى بصوت قوي، واستطاعوا الحصول على تلك التسجيلات، وتم إعادة طبعها واستعانت الإذاعة بالقارئ الشيخ أبو العينين شعيشع في استكمال بعض الآيات وربطها في الأسطوانات المسجلة لوجود عيوباً فنية بها, وهي التي تذاع الآن.

مرضه

في عام 1943م هاجمه المرض، فقد أصيب بمرض الفُواق "الزغطة"، كانت تلازمه فترة طويلة تزيد على الثلاث ساعات يوميا، فذهب إلى كثير من الأطباء، فكان يأخذ بعض المسكنات لفترة قصيرة تعاوده بعدها مرة أخرى. وكان في تلك الفترة يذهب إلى الإذاعة يومين في الأسبوع هما يومي الاثنين والجمعة وذلك حتى عام 1948م، حيث أشتد عليه المرض الذي كان يهاجمه أغلب ساعات اليوم دون انقطاع، حتى أنها هاجمته مرة أثناء قراءته بالإذاعة فأمتنع عن الذهاب إليها بعدها خوفا من ضياع مكانته كقارئ، مكتفياً بما قدم حتى أنه فضل القراءة في أحد مساجد حي السيدة زينب وهو مسجد فاضل دون أن يذهب إلى الإذاعة. وحينما سئل لماذا يذهب إلى المسجد فقط دون الإذاعة ما دام قادراً على القراءة والتلاوة فقال: "أعرف بحالتي عندما أقرأ القرآن, فقد يكون صوتي قوياً فأنطلق كالحصان الجموح، وأحياناً يكون صوتي ضعيفاً لشدة إرهاقي ومرضي, فإذا ما قرأت في المسجد وكنت على غير ما يرام سترني أصحابي وأحبابي، أما في الإذاعة فهذا الأمر لن يكون في صالحي، ولا أفضل ذلك في أيامي الأخيرة".

كما أصيب الشيخ بعدة أمراض لاحقته وجعلته يلزم الفراش، فكان عندما يشفى يعاود القراءة، وما يلبث أن يعاوده المرض فيتوقف، حيث تعرض في السنوات الثمانية الأخيرة من عمره لورم في الأحبال الصوتية، منع صوته النقي من الخروج، ومنذ ذلك الوقت حُرم الناس من صوته، فيما عدا ثلاثة أشرطة، كانت الإذاعة المصرية سجلتها قبل اشتداد المرض عليه، ثم توالت الأمراض عليه، فأصيب بضغط الدم، والتهاب رئوي حاد. وقد حاول بعض محبيه أن يجمعوا له بعض الأموال لتغطية تكاليف العلاج، فلم يقبل التبرعات التي جمعت له، وفضل بيع بيته وقطعة أرض أخرى لينفق على مرضه، مؤكدا أن الفقراء أحق بهذه التبرعات.

وفاته

شاء الله أن تكون وفاة الشيخ محمد رفعت في يوم الاثنين 9 مايو 1950، نفس التاريخ الذي وُلد فيه، عن ثمانية وستين عامًا قضاها في رحاب القرآن الكريم. وقد نعته الإذاعة المصرية عند وفاته إلى المستمعين بقولها: "أيها المسلمون، فقدنا اليوم عَلَمًا من أعلام الإسلام". أما الإذاعة السورية فجاء نعيها لرفعت على لسان المفتي حيث قال: "لقد مات المقرئ الذي وهب صوته للإسلام".

وقد حرص حسين الابن الأصغر للشيخ "محمد رفعت" على أن يجمع تسجيلاته، وبالفعل تم تجميع أكثر من 278 اسطوانة مدتها 25 ساعة تضم 19 سورة من سور القرآن الكريم بصوته العذب. وعندما تولت الإذاعية آمال فهمي رئاسة إذاعة الشرق الأوسط طلبت من "حسين" نقل مجموعة من تسجيلاته بحيث تكون مده كل تسجيل خمسة دقائق لإذاعته في افتتاح إرسال الإذاعة يوميا، لذلك نجد "صدق الله العظيم" بصوت الشيخ محمد رفعت بمقام مختلف عن المقام الذي قرأ به.

وقد سئل الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله ذات يوم عن رأيه في أصوات محمود خليل الحصري وعبد الباسط عبد الصمد ومصطفى إسماعيل ومحمد رفعت، فقال: "إن أردنا إحكام التلاوة فهو الحصري، وأن أردنا حلاوة الصوت فهو عبدالباسط عبدالصمد، وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فهو مصطفى إسماعيل، وإن أردنا هؤلاء جميعا فهو محمد رفعت".

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق