المشرف العام
قدوات
سفير الإسلام الأول.. مصعب بن عمير
 
تمت الإضافة بتاريخ : 21/05/2014م
الموافق : 22/07/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

سفير الإسلام الأول.. مصعب بن عمير

 

حين أنظر إلى حال شبابنا المسلم لا ألبث إلا أن تحضرني قصص شباب في مثل سنهم.. شباب كالنجوم في سماء مظلمة.. شباب تربوا على يد حبيب الله صلى الله عليه وسلم وكانوا منارة وقدوة لكل الشباب..

ومن ألمع هذه النجوم شاب في السابعة عشرة من عمره من أغنى وأرقى العائلات في زمانه سفير الإسلام الأول مصعب بن عمير.

فإذا مشيت في دروب مكة الحبيبة.. وتنشقت نسيمًا يحمل عطرًا وطيبًا.. فاعلم أن أعطر أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «مصعب بن عمير» رضي الله عنه قد مر يومًا من هنا.. مصعب الذي كان أنعم الفتيان وأكثهم ترفًا ودلالاً على أبويه وأحسن الشباب حلة وثوبًا لم يكن ينقصه من متاع الدنيا شيء وقد جمع إلى ذلك كله عقل راجح رغم حداثة سنه فهل تصدق أن مصعبًا ترك تلك الحياة المترفة واستغنى عن الجاه والثراء واختار لنفسه طريقًا واحدًا هو طريق دار الأرقم.. لقد ساقه عقله المستنير إلى هناك ليمنح نفسه فرصة الاستماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد ما كان ينقصه حقًا.. ففي القلب فراغ لا يملؤه إلا الله وفي القلب شعث لا يلمه إلا الله.. فأسلم على يديه راغبًا طائعًا..

كانت مكة قد انقلبت رأسًا على عقب برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ورغم أن النبي لم يكن قد جهر بالدعوة بعد إلا أن حديث الدعوة الجديدة كان يدور في أندية قريش وكانت العيون الحاقدة تراقب الدروب وها هو ذا مصعب بن عمير يدخل دار الأرقم يغلق الباب وراءه بحذر، وهناك خلف الباب كانت تهدم قيم الجاهلية في النفوس وتبنى قواعد الإسلام بيد النبوة الشريفة.

في ذلك البيت المبارك انقلب الفتى المدلل شابًا يحمل هدفًا ومبدأً وعقيدة خرج من زيف الدنيا وزوالها إلى نعيم الآخرة وبقائها وسرعان ما ترك كل شيء لله ليعوضه الله خيرًا مما ترك، ومضت أيام ومصعب رضي الله عنه يتردد إلى دار الأرقم يكتم إسلامه عن أمه خاصة «خناس بنت مالك» التي عرفت بشدة البأس والتعلق بدين الآباء ولكن الله أبى إلا أن يواجه مصعب أمه بالحق الذي عرف، فقد رآه عثمان بن طلحة يومًا يتسلل خفية إلى دار الأرقم فغضب أشد الغضب وذهب إلى أمه يخبرها بالخبر فهي أقدر من يمنعه ويثنيه من عزيمته عن المضي في دين جديد.

وفي ذلك اليوم رجع مصعب رضي الله عنه آخر النهار مشرقًا بإيمانه وما يدري أن أمه قد تملكها الغضب الشديد فلم تهيئ له هذه المرة طعامًا بل قيودًا وآلامًا لن تنتهي حتى يعتذر إلى أكوام الخشب والحجارة تلك الأصنام عما فعل!

كانت تظن أن المدلل سيبكي متاعه وعطوراته الفاخرة وسيرده العذاب عن الإسلام ولكن مصعبًا لم يفعل ذلك فلقد تعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم أنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» حاول مصعب أن يلين قلبها ويدعوها إلى الحق فازداد غضبها وحبسته مكبلاً بالحديد وأجاعته وجردته من عطاءها ولم يلبث مصعب رضي الله عنه وقد ازدادت عزيمته صدقًا وازداد شوقه لمواصلة المسير إلى الله فاستغفل العيون الحارسة وكسر الأغلال وهرب من قبضة أمه ليهاجر مع أصحابه الكرام إلى الحبشة نجاة بدينهم إلى ملكها الذي لا يظلم عنده أحد.. النجاشي.

رجع بعدها مصعب إلى مكة وقد تبدلت أحواله كثيرًا واختاره النبي صلى الله عليه وسلم سفيرًا إلى يثرب التي ستصبح بعون الله عاصمة الدولة الجديدة فها هم ثلة من الأنصار استمعوا إلى رسول الله واطمأنوا إلى دعوته فصدقوه وآمنوا به ثم رجعوا إلى طيبة المباركة بعد أن بايعوه بيعة العقبة الأولى، وما أن عادوا إلى قومهم حتى كتبوا له أن ابعث لنا رجلاً من قبلك يفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن.. لبى مصعب النداء لله ورسوله وتسلم مهمته في مرحلة هامة من مراحل الدعوة ألا وهي بناء دولة الإسلام وهاجر رضي الله عنه إلى المدينة ثم أخذ يعد الدعامة التي سيبني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة الدين الجديد وراح مصعب يدعو الناس إلى الإسلام وإلى عباده الإله الواحد لا شريك له حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وأسلم فيها رجل أو امرأة ثم أسلم الأشراف وكسرت الأصنام، وكان مصعب صوت الحق من الله ورسوله وهاهم الخمسمئة الأول من الأنصار كلهم أسلموا بدعوة مصعب وقفوا يستقبلون النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة مهاجرًا فما فرح أهل المدينة في حياتهم كلها بشيء مثل فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومضى عام ومصعب مع الصحابة الكرام يواصلون المسير مع الرسول الكريم حتى كانت غزوة بدر وكان ممن أبلوا بلاءً حسنًا حتى علت رايات المسلمين مؤذنة بالنصر المبين ومر مصعب بأسرى المشركين وفيهم أبوعزيز أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه فوقف مصعب عنده وقال للأنصاري شد يديك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك فقال له أخوه يا أخي هذه وصايتك بي؟ فأجابه مصعب مشيرًا إلى الأنصاري هو أخي دونك..

ومضى عام بعد بدر وخرجت قريش لقتال المسلمين ثأرًا لقتلاها في بدر وهناك على أرض أحد عبأ النبي صلى الله عليه وسلم جيشه وأعطى اللواء لمصعب بن عمير رضي الله عنه.

وحميت الحرب واشتد القتال ولاحت تباشير النصر للمسلمين ولكن دهاء خالد بين الوليد قلب الموازين وأحاط المشركين بالمسلمين من كل جانب فثبت مصعب واستبسل وراح يقاتل بيد ويحمل اللواء بيد فأقبل رجل مشرك وضرب يد مصعب اليمنى فقطعها وسقط اللواء فهرع إليه مصعب يحمله بيساره غير مبالٍ بصراخ أو ألم فضرب له المشرك يده اليسرى فقطعها فما كان من مصعب إلا أن جثى على ركبتيه وحنا على اللواء وضمه إلى صدره بعضديه فطعنه المشرك برمحه فوقع شهيدًا وسقط اللواء فوقه.

وعندما انتهت المعركة الأليمة ووضعت أوزارها أقبل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يتفقدون الشهداء ويدفنون أجسادهم الطاهرة في أرض أحد وجاء الصحابة بأكفان مصعب وماهي إلا بردة إذا غطوا رأسه خرجت رجلاه وإذا غطوا رجليه خرج رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله الإذخر».

فلما انتهوا وقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يودعون مصعبًا فقال صلى الله عليه وسلم «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة ولا أحسن لمة منك.. ثم أنت شعث الرأس في بردة» ثم تلا قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} هكذا كانوا في شبابهم.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق