المشرف العام
القصص
"بسمة" قصة قصيرة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 02/04/2014م
الموافق : 2/06/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

"بسمة" قصة قصيرة

 

محمد عباس

ذلك البريق الذي يشدك إليه، يدفعك دفعا لتغوص في حدقتيه، تبحث عن سر تلك البسمة التي يتألق طيفها واضحا جليا خلف ثنايا نظراته.. بسمة نابعة من أغوار عميقة في وهاد عينيه، لا تعرف كيف ولا من أين نبعت لتلوح على محياه..

ذلك البريق شدني، جعلني أتساءل- كلما رأيته- عن سر تلك البسمة، وهل هي أصيلة في ملامحه، أم إن عاصفة حزن قد تجيء فتجعلها نثارا لا كيان له.. إلى أن سمعت بخبر وفاة ولده، شملني حزن داهم جثم بثقله وسواده على براح الصدر، هزني ألم المفاجأة لكونه شابا مازال، لم أملك إلا الاسترجاع (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وقررت فورا الذهاب للعزاء، الوقوف إلى جانبه في الملمات؛ مرضاة للرب سبحانه، وهو في الوقت ذاته سنة محمودة، و.. رأيت خاطرة تلج رأسي، تشد أذني إلى وقعها، وتحرك بوصلتي في اتجاهها..كيف سيبدو وجهه الآن؟

لا أعرف، هل هي رغبة خبيثة؟ أم هو مجرد فضول مشروع في حدود تساؤل مسموح به من الأخلاق؟ أم هو ربما شعور دهمني تجاه ذلك الوجه الذي لا يعرف العبوس؟

عيناه كلما لاقيتها تقيدني إليها، تشدني إلى حدقتيه ببسمة نابتة في أعمق أعماق نظراته، يبدو الوجه مشرقا ببهاء تلك الأشعة المنبثقة من العيون.. والتي تولدها تلك البسمة التي تكمن في أعماق ملامحه، فلا هي بانت جلية على براح شفتيه، ولا هي توارت عن ملامحه تاركة خلفها مشاعره اللحظية مثل بقية الوجوه.

حاولت التنصل من تلك الرغبة، والتبرؤ من وجودها أصلا بفضاء رأسي، دون جدوى، توكلت على الله وتحركت قاصدا سرادق العزاء.

ختم المقرئ القرآن، صمت أخطبوطي كبل بأذرعه الفولاذية الألسنة، لم يعد هناك إلا أعين قد دهمها حزن جارف، تتبادل النظرات الباهتة في تسليم، الملامح أديمها يعلوه سواد الأحزان، يكسوه ظلام الشجون، تتحرك الأجساد للخروج من السرادق، أتحرك معها، أمد يدي إليه معزيا، وهو يقف بصفته والد المرحوم في أول الصف، أرفع عيني إلى عينيه، الوجه ملامحه تبدلت، تغضناته تعمقت، نحوله ازداد، واصفراره تعملق، إلا عينيه.. رأيت فيهما نورا يفيض، في عمق هذا النور ومن بين أغواره العميقة يبزغ طيف بسمة- مازالت- تتألق واضحة جلية خلف ثنايا نظراته، شددت على يده بقوة وأنا أتمتم بكلمات روتينية رأيتها تليق بالمناسبة، لم يبال بسماعها، وإن شد على يدي بهدوء، وسحب يده مديرا وجهه عني استعدادا لعزاء آخر، غير أنني أبقيت يده بقوة في قبضة يدي، قلت بصوت عال: ألهمك الله الصبر..

عاد بملامحه الجديدة التي اكتست تغضناتها بدموع من نبع عينيه الذابلتين، من أعمق أغوار بحيرة الأحزان في حدقتيه، كانت هناك خيوط رقيقة لذات البسمة تتشابك مع خيوط الدمع لترسم على محياه لوحة من نور وظلمة، وهو يهمس بيقين: الحمد لله!!

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق