المشرف العام
قدوات
عبدالملك المبيض فارس التربية والتعليم
 
تمت الإضافة بتاريخ : 10/03/2014م
الموافق : 9/05/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

عبدالملك المبيض  فارس التربية والتعليم

 

عندما يسجل التاريخ مآثر احد رجاله، فإنه ينظر الى ما ادوه لمجتمعاتهم من خدمات، والى الاثر الذي تركوه في امتهم، ومبلغ الجهود التي قدموها الى الشعوب التي قدر لها ان تنعم بجهادهم في سبيلها.

اسمه ونسبه

 هو الاستاذ عبدالملك بن الشيخ صالح بن حمد بن ابراهيم المبيض، هبط جده الزبير من روضة سدير في نجد، اما والده فقد هبط الى الزبير في حدود العقد الرابع من القرن الثالث عشر الهجري وهو صغير وترعرع والده في كنف ابناء عمه ابراهيم، وعبدالكريم المبيض، وتعلم ­ وهو الكفيف في مدارس الزبير الخاصة حتى اصبح شيخا من شيوخ العلم في الزبير، ومن قضاتها الذين يشار اليهم بالبنان، فقد درّس في مدرسة دويحس الخاصة، فتخرج على يده جماعة من علماء الزبير، ومن اشهر من تخرج على يده من علماء الكويت الشيخ عبدالله بن خلف الدحيان، واستمر الشيخ في نشره العلم مع توليه قضاء الزبير الى ان انتقل الى رحمة الله في شهر شوال من عام 1315هـ ­ الموافق 1897م.

وقد اشتهر الشيخ بالنزاهة في القضاء والحكم، والتضلع بأحكام الشريعة والتحلي بالتقوى، من جملة ما يذكر عن تقواه ان امرأة من اغنياء البصرة حينما سمعت بتقواه ­ وهي ليست لها ذرية ­ احبت ان توقف ثروتها على ابنه عبدالملك فقال لها: «عبدالملك يحفظه الملك وانت اذا اردت ان توقفي ثروتك فأوقفيها على وجوه الخير الكثيرة».

اما والدته فحصة الحنيف، وهي من عائلة كريمة، امتازت بالصلاح والتقوى وقد رأى والده فيها هذا الخلق الجم فتزوجها، كما امتازت بالعناية بكتاب الله فقد درسته قراءة وتلاوة حتى ختمته في الكُتاب واتقنت ذلك حتى شهد لها اهل الخير والصلاح في زمانها، فرشحوها معلمة للقرآن الكريم لأبناء اسرة الابراهيم في بومباي فيما بعد.

واما جده فقد ولد بنجد واشتهر بحبه للخير وفاعليه، وكان يشجع من يعمل الخير بأن يردد اسمه بين الناس قائلا: بيض الله وجه فلان فقد عمل كذا وكذا، فلقبه الناس «المبيض»، وعرفت الاسرة بهذا اللقب منذ ذلك الحين.

نشأته

 ولد الاستاذ عبدالملك في الزبير عام 1308هـ الموافق 1891م في اسرة دينية من والد شيخ من شيوخ الزبير ­ كما اسلفنا ­ فوالده كان قد امتاز بالصلاح والتقوى، هذا وقد توفي والده وله من العمر اربع سنوات، ولم يعش له ولد سواه، فرعته والدته وقامت على تربيته احسن ما يكون، فتعلم على يدها مبادئ العلوم الأولى من قراءة وكتابة وتلاوة للقرآن الكريم.

تحصيله العلمي

 اخذ علومه الأولى من مبادئ القراءة والكتابة وقراءة كتاب الله من والدته، اذ كان لها كُتاب خاص بها في الزبير لتعليم ابناء بلدة الزبير القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم او حفظه، ومن خلال ذلك تطلب الرزق بعدما توفي المعيل.

دراسته في الهند

 بعد مضي ثلاث سنوات من افتتاح كتابها، ذاع صيتها في الزبير والبصرة وفي هذه الاثناء كتب الشيخ قاسم الابراهيم وهو من اشهر تجار اللؤلؤ في بومباي، ومحله مقصد ابناء الخليج والجزيرة، وهو ممن ساهم في انشاء المدرسة المباركية بالمال، وقد كتب الى بعض اصدقائه في البصرة والزبير طالبا استقدام امرأة تحسن القراءة والكتابة وتعليم كتاب الله لتقوم بتعليم بنات الجالية العربية في بومباي كتاب الله حفاظا على لغتهن، فأشار عليه فضلاء الزبير بأم عبدالملك ان تكون هي المعلمة، ولكنها اشترطت شروطا تنحصر في ان يرافقها ابنها، وان يتعلم في مدارس الهند، وان تكون النفقة على ولدها داخلة في النفقة عليها.

وكرمت والدته في بومباي من جميع من عرفها، وقابلت هذا الاكرام بالاحسان، فتفانت في عملها واخلصت لماجاءت من اجله، واحترمت نفسها فاحترمها الناس، وكان عبدالملك يرى هذا كله وينظر بفخر واعتزاز الى هذه الام العظيمة التي عاشت له وتركت بلدها واهلها لكي توفر له الحياة الكريمة، ولكي تعلمه بنفسها وفي المدارس ما يتخذ منه في مستقبل الايام زادا لرحلته مع الحياة.

وكانت مغادرته الزبير الى الهند مع والدته بعد مرور ثلاث سنوات على وفاة والده، فنرجح في هذه الحالة ان تاريخ المغادرة في سنة 1318هـ ­ الموافق 1900م تقريبا.

ومكثت في الهند خمس سنوات، تُربى وتعلم ولدها ­ مع ابناء عائلة الابراهيم في مدارس الهند ­ وقد درس الحساب فأتقنه، وتعلم اللغة الانجليزية واتقنها اتقانا جيدا، حتى تمكن في المستقبل من قراءتها وان يخلف مكتبة كبيرة جدا.

كما تعلم بعض لغات الهند من الاوردية وغيرها، واتقن الاوردية بالذات نطقا وكتابة، وتعلم فنون الخط وقواعد اللغة العربية.

وكل ذلك في غضون الخمس سنوات التي قضاها في الهند مع والدته، ثم عادت الام الى الزبير زائرة بابنها الى مسقط رأسه بعد ان جاوز الثالثة عشرة من عمره في فصل الربيع ليتعرف على ارحامه وذوي قرابته.

ثم عادت الى الهند مرة اخرى مكثت فيها اربع سنوات، فلا ندري هل عاد ابنها معها في المرة الثانية ام بقي في الزبير، فكلام الشيخ النوري يشعر ان ابنها لم يعد معها في المرة الثانية الى الهند وكلام ابنه يشعر انه ذهب معها الى الهند، ولما بلغ عمره 18 سنة عادت والدته من الهند او عاد معها من الهند.

عادت والدته ومعها قسم من المال الوفير الذي جمعته من عملها في الهند فزوجت به ابنها فكان عليه ان يعمل لينفق على زوجته وامه، وعليه الآن ان يواجه الحياة ويسعى في الارض سعيا في سبيل لقمة العيش، وفي الكويت يومئذ عمل يدر الخير على طالبيه فعمل في مجال الغوص فترة من الزمن قصيرة.

دراسته على الشيوخ

 وذكر الشيخ النوري انه تردد كثيرا على شيوخ العلم الموجودين في الزبير يومئذ امثال: الشيخ محمد العوجان، والشيخ عبدالله بن حمود، والشيخ عبدالرزاق الدايل، فتعلم عبدالملك منهم الكثير من فقه الامام احمد، وقرأ الاجرومية ومتنها، وحفظ اشعار العرب، وقرأ من الادب العربي الكثير.

اولا: في مجال التدريس

 عرض عليه صديقه الشاعر والاديب احمد المشاري العمل في الكويت، فجاء الى الكويت قبيل افتتاح المدرسة المباركية للعمل في مجال الغوص فتعرف عليه الشيخ يوسف بن عيسى فعرف فيه مواهبه التعليمية، فلما افتتحت المدرسة المباركية سنة 1912 عرض عليه العمل مدرسا في مجال التعليم فيها، وكان يومئذ في الزبير فوافقت والدته اما زوجته وابنته فرفضتا القدوم الى الكويت.

وفي المدرسة المباركية اخذ يدرس الكتابة، والقراءة، ومسك الدفاتر والحسابات (المحاسبة)، وتدريس الخط العربي، والرياضيات، ودرس فيها فيما بعد اللغة الانجليزية.

وكان راتبه من الرواتب العالية مائة روبية، وما يدانيه في نفس الراتب الا الشيخ احمد الخميس، وباقي المدرسين فيها رواتبهم متدنية جدا، وذلك لمستوياتهم التعليمية، ولهذا استاءوا من هذه الرواتب وطلبوا زيادة مرتباتهم الضئيلة، واذا لم تعدل مرتباتهم فسوف يستقيلون، وكتبوا بذلك كتابا الى مجلس ادارة المدرسة وطلبوا من مترجمنا والشيخ احمد الخميس التوقيع معهم على ما في هذا الكتاب فرفضا التوقيع الا انهم تضامنا معهم وقعا، بشرط عدم التراجع عن الاستقالة، اذا لم يلبوا مطالبهم فرفض مجلس المدرسة الكتاب المقدم من هؤلاء المدرسين، ورفض التجاوب معهم في تعديل الرواتب، فما كان من الاساتذة اصحاب الرواتب المتدنية الا الرجوع الى العمل، وعدلوا عن الاستقالة، اما الاستاذ عبدالملك والشيخ احمد الخميس فقد استقالا من المباركية وقوفا مع العهد والميثاق على الاستقالة وان خانهما رفاقما في ذلك.

مدرسة خاصة

بعد ان استقال من المدرسة المباركية فتح له مدرسة خاصة في ياخور ابن عامر الواقع في سكة عنزة وضم له معلمين مقتدرين امثال الشيخ احمد الخميس والشيخ عبدالعزيز الرشيد، والشيخ عبدالله النوري، واقبل عليه الطلبة طلبا للعلم الشرعي، وعلم مسك الدفاتر والحسابات، والخط واللغة الانجليزية، فقد كان الاستاذ متمكنا من هذه العلوم وشهد له اهل الكويت بذلك، ولهذا اقبل عليه طلبة العلم على الرغم من ارتفاع اجور التدريس عنده، اذ كان يأخذ من الطالب 4 روبيات كل شهر، وهذا المبلغ في ذلك الزمان يعتبر مبلغا باهظا، كما قام بفتح مكتبة صغيرة في مدرسته لبيع لوازم الدراسة من دفاتر واقلام بسعر انسب من سعر السوق، ومنذ افتتاح المدرسة او منذ عام 1915 اقبل عليه الرزق من ايراد المدرسة وبيع الكتب، واستمرت المدرسة تعمل عدة سنوات حتى طلب ليكون ناظرا للمدرسة الاحمدية عام 1926 .

المدرسة الاحمدية في عام 1926 عرض عليه الشيخ يوسف ان يكون مديرا للمدرسة الاحمدية فعمل بها من 1926 الى 1934 او1935 .

في المدرسة القبلية

 بعد تولي الاستاذ منصب سكرتير مجلس المعارف سنة 1354هـ الموافق 1935م قام بهذا العمل خير قيام، لكنه لم يستمر فيه، اذ حن الى وظيفته السابقة، لأن التعليم يسري في عروقه سريان الدم فأبدى للمجلس رغبته في العودة الى مهنة التدريس فعاد اليها، ناظرا في المدرسة القبلية وظل فيها من سنة 1941 او 1942 الى ان لقي ربه مساء يوم الاثنين 18 من فبراير 1946م.

سكرتير مجلس المعارف

 في عام 1354 هـ ­ الموافق 1935م انشئت دائرة المعارف الجديدة فقرر مجلس المعارف تعيينه سكرتيرا لها، ونائبا للمدير فكان في وظيفته هذه عصب الادارة، وعمل على ان تسير هذه الدائرة الناشئة في انسجام ونجاح.

واستمر يمارس عمله الجديد ثلاث سنوات، ولما فتحت المدرسة القبلية سنة 1940 ابوابها، دخل الاستاذ عبدالملك على رئيس المعارف الشيخ عبدالله الجابر وطلب منه رسميا ان يقيله من امانة المعارف ويعيده مدرسا في المدرسة القبلية.

ثناء معاصريه عليه

 كانت الثقة التي يتمتع بها الاستاذ عبدالملك من كل من عرفه كبيرة وذلك بما يتمتع به من اخلاق طيبة وخصال سامية، واخلاص في عمله، ولهذا اثنى عليه معاصروه بما هو اهله، فهذا الاستاذ محمد ملا حسين يثني عليه فيقول: «كانت تتوافر في المترجم له جميع صفات المربي الصالح، وتجتمع فيه مزايا المرشد الموجه، فكان عارفا لنفسيات تلامذته، مدركا لاتجاهاتهم الخاصة، مخلصا في توجيههم اليها، وهو الى جانب ذلك يمنحهم من حبه وعطفه ما يشعرهم انهم امام اب ناصح، ويظلهم برعايته حتى يحسوا انهم امام اخ ودود وبين هذا العطف والود حزم الرجولة وقوة الشخصية ونفاذ العزيمة.

ولذا فإننا قلما نجد استاذا حظي بما حظي به الاستاذ عبدالملك من حب تلامذته ومريديه له ومن تعلقهم به، واحترام عميق يكنونه له».

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق