المشرف العام
لقاءات
د.ناصر العمر:الاحتساب, متى .. كيف .. وعلى ماذا
 
تمت الإضافة بتاريخ : 12/11/2013م
الموافق : 9/01/1435 هـ
fiogf49gjkf0d

د.ناصر العمر: " الاحتساب, متى .. كيف .. وعلى ماذا" .

 

محمد لافي

لدى استضافته في برنامج "قضايا معاصرة" على قناة المجد الفضائية, أسهب فضيلة الأمين العام لرابطة علماء المسلمين أ.د. ناصر بن سليمان العمر في الحديث عن شعيرة الاحتساب مجلياً الكثير من الحقائق حولها ومجيباً على عدد من التساؤلات وذلك  في حلقة حملت اسم " الاحتساب, متى .. كيف .. وعلى ماذا" .

ففي بداية حديثه عن الاحتساب, يؤكد الشيخ العمر ضرورة العناية بهذه الشريعة والتصدي لحملات التشويه الموجهة ضدها, ويبين أن الاحتساب ومع أنه من القضايا الشرعية التي وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة, إما نصاً أو مضموناً أو معنى, إلا أن هذه الشعيرة قوبلت بحملة من التشويه أو التجاهل من بعض وسائل الإعلام المغرضة, حتى طال هذا التشويه جهة رسمية من جهات الدولة معنية بهذا الشأن, وهي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. في الوقت الذي لم يقابل ذلك بحملة مضادة للدفاع عنها وتوضيح أهميتها سواء في الإعلام أو في المناهج التعليمية.

تطبيع الاحتساب

ويرى فضيلة الشيخ العمر أن من أهم الوسائل التي يمكن بها مواجهة هذا التشويه والتجاهل هو في تطبيع الاحتساب وإشاعة ثقافته بين الناس بطريقة منهجية مدروسة ليصبح سلوكاً اجتماعياً سائداً في المجتمع, ويؤكد أن هذا منوط بالدرجة الأولى على ولاة الأمر والمسؤولين عن التعليم وكذلك الخطباء والدعاة, كما يرى ضرورة تخصيص مادة للاحتساب, وإقامة حملات توعية بأهميته, كذلك يرى الشيخ العمر مسؤولية كبيرة على الآباء في تربية أبنائهم على ثقافة الاحتساب.

ويشير فضيلته في هذا السباق إلى مركز المحتسب للدراسات والاستشارات بإشراف فضيلة الشيخ د. عبد الله الوطبان, حيث يجري هذا المركز دراسات في الاحتساب ويقدم الاستشارات حوله دون ممارسة هذا الاحتساب في الميدان.

ما هو مفهوم الاحتساب:

ويؤكد د. العمر أن مفهوم الاحتساب ليس كما يتصوره البعض من أنه ينحصر في جانب إنكار المنكر أو المعصية الظاهرة, فهذا خلل في مفهوم الاحتساب, وقد أشاع هذا المفهوم الخاطئ الإعلام, وللأسف الشديد تجاوب البعض معه وتصور أنه حقيقة, لأن مفهوم الاحتساب أكبر وأوسع من ذلك.

ويوضح أن مفهوم الاحتساب يتعدى ذلك بكثير, ليشمل مصالح الناس كالمطالبة بحقوقهم و المطالبة برفع المظالم عنهم فهي من الأمور التي يجب الاحتساب فيها.

ويشير د. العمر إلى أن العلماء والدعاة يقع عليهم عبء كبير في هذا النوع من الاحتساب أي المتعلق بقضايا الناس وحقوقهم لأن هذا العمل قد لا يكون متاحاً لعامة الناس, لكن العلماء بما آتاهم الله مكانة ومنزلة قد يفتح لهم الباب بما لا يفتح لغيرهم لذلك توجب عليهم المطالبة بهذه الحقوق.

 

 

 

ولم يكن الاحتساب كما يقول فضيلته محدداً بأشخاص بعينهم, وهذا ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم, إذ كانوا جمعياً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لذلك ليس صحيحا ما يظنه البعض من أن الاحتساب يختص بأهل العلم, فقد يكون الاحتساب من غير ذوي العلم الشرعي, شريطة العلم التام بالقضية المراد الاحتساب فيها.

 وضرب فضيلته مثالاً في ذلك, موظفو الأمانة والبلديات فعملهم كما يرى فضيلته فيه قدر من الاحتساب لضمان حقوق الناس, والتصدي لمن يغشون في تجارتهم ويضرون الناس من خلال البيع والشراء, كذلك فالاحتساب ليس مقصورا على جانب واحد, فيكون في الجانب الطبي والهندسي والتجاري الأمني وكذلك الاحتساب في الجوانب السياسية والتي لا بد أن تكون موافقة للشرع, لا تقليداً لما عند الغرب أو غيرهم إلا ما كان منضبطاً بضوابط الشرع.

كما أن الجهاد من أعظم جوانب الاحتساب كما يرى فضيلته, بل هو رأس الاحتساب, لأنه احتساب ضد الكفار وحماية للأمة والعقيدة, ويوضح بأن أغلب المجاهدين كمن يجاهدون الآن في الشام والعراق وفلسطين هم متطوعون وليسوا تابعين لجهات نظامية قد تكون مكبلة بأنظمة دولية وقيود سياسية.

 ويتابع " لكن مما يجب ملاحظته أن الاحتساب محدود بضوابط, وهذه النقطة التي يجب التركيز فيها لوقوع بعض الخلل قد يستغله الخصوم والأعداء لتشويه هذه الشعيرة, لذلك يجب التفريق بين احتساب العالم الذي يختلف عن احتساب طالب العلم والذي يختلف أيضاً عن احتساب العامي, لكن كل من علم أن هذا الأمر منكر, فهو منوط به تغيير هذا المنكر بشرط القدرة, وأن لا يترتب عليه مفسدة أعظم منها.

متى يجب الاحتساب؟

ويوضح الشيخ العمر بأن هناك حد من الاحتساب لا يسع المرء تركه, ومن ذلك أن يعلم الإنسان منكراً لا يعلمه غيره, ففي هذه الحالة يكون الاحتساب في حق من علم بهذا المنكر فرض عين, ومن ذلك أيضاً القدرة على تغيير المنكر بأن يكون أحد الأشخاص أقدر من غيره على تغيير المنكر كالمسؤولين في دوائرهم والآباء والأمهات في منازلهم.

ويؤكد د. العمر أن هذه القضية تقود إلى سؤال هام ألا وهو "هل الاحتساب فرض عين أم فرض كفاية" ؟  ليبين أن القول الصحيح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالجملة فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الباقين, لكنه يستدرك لتوضيح أمر هام وهو أن جملة "قام به البعض" تعني أن البعض قد قام به على الوجه الصحيح, فإن وقع النقص أو التقصير في القيام به فإنهم يأثمون جميعاً.

المنكرات ليست بدرجة واحدة:

ويؤكد الشيخ العمر أن المنكرات ليس بدرجة واحدة من حيث طريقة التعامل معها, ليوضح أن العلماء كابن القيم قسّم المنكر إلى أقسام, منها المنكر الذي سيزول كله بإنكاره فإنه ينكر, ومنه المنكر الذي سيزول أكثره بإنكاره فإنه ينكر أيضاً, إما إن تساوى في ذلك المصلحة والمفسدة فإن العلماء ينظرون في هذه الحالة إما الإنكار أو عدمه, والحالة الرابعة أن يترتب على الإنكار منكر أعظم, فإن هذا المنكر مما لا يسع إنكاره.

 

 

ويؤكد الشيخ العمر أن مما يجب مراعاته أيضاً في التعامل مع المنكر الستر فإن أمكن ذلك فهو الأفضل, وهو ما يجب أن يراعيه المحتسب, إلا في حالة ما إن كان هذا الستر سيزيد المنكر شيوعاً فلا ينبغي الستر حينها.

ويردّ الشيخ العمر على القائلين بأنه لا حاجة للإنكار ما دامت المنكرات مستمرة ولم تختفي من المجتمع, ليؤكد أن هذا لا يقول به عاقل , فهو كمن يطالب بإغلاق المستشفيات لان الأمراض لا زالت سارية, أو بإيقاف جهات الإطفاء لأن الحرائق لا زالت تحدث, وهذا غير صحيح, فالمجتمع يتجدد والخطأ يتكرر, والمعاصي تستمر وقد تكون هذه المعاصي أو المنكرات عن جهل أو غير قصد لذلك وجب مواصلة الإنكار.

احتساب الشباب

ويؤكد الشيخ العمر على أهمية دور الشباب في الاحتساب, وينكر على من يرمونهم دوماً بالطيش أو الحماس الزائد, ويقول بأن الشباب هم أبناؤنا وهم أكثر حماسة وغيرة منا, وحتما هم يقومون بأدوار لا نستطيع نحن الكبار القيام بها, لذلك وللأسف كما يقول الشيخ العمر فإننا أحيانا نغطي تقصيرنا باتهام الشباب بالحماس الزائد..

ويضيف, لكن الشباب يحتاجون تدريباً وحماية واحتضاناً, أما كبتهم فهذا غير صحيح, لأن الكبت والضغوط النفسية التي تمارس على الشباب من أسباب نفورهم أو انحرافهم وهو أيضاً ما يوصلهم إلى الغلو والتكفير, فبدلا من ذلك لابد من احتوائهم وتعلميهم والاستماع لهم والترفق بهم والصبر عليهم توجيههم التوجيه الصحيح, وهذا يكون من المربين والمسؤولين على حد سواء.

المحتسبون والإعلام

ويستنكر الشيخ ناصر العمر ما يطال المحتسبين وأعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من بعض وسائل الإعلام من تشويه وظلم وتصيد الأخطاء عليهم, على الرغم كما يبين فضيلته من غيرتهم على الدين والتضحيات التي يقدمونها في سبيل ذلك, ويتساءل, أليسوا هم جزء من المجتمع, أليسوا هم حماة السفينة وممن يحرسون الفضيلة.

ويضيف بأن الإعلام دأب على تسليط الأضواء على أخطاء الهيئة في الوقت الذي يتجاهل فيه أخطاء أكبر من جهات أخرى كثيرة, كما أن الإعلام يتسابق لتجريم الهيئة وأعضاءها في كل حادث تتهم فيه الهيئة وذلك قبل صدور نتائج التحقيقات, بل إن الكثير من القضايا التي تم تبرئة الهيئة منها لا يزال الإعلام يجعل منها تهماً يرمي بها الهيئة كلما سنحت له الفرصة بذلك. وقال إن هذا يدل على حقد دفين لدى ضعاف النفوس ضد هذا الجهاز وتقصد له ولأعضائه, مستدلاً بقول الله تعالى " ويريد اللذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما".

ويختتم د. العمر بالتأكيد على ضرورة أن يصاحب الاحتساب استشعار لمعنى العبودية, واستشعار القربى إلى الله فيه وأن الواجب هو السعي إلى تغيير المنكر وعدم تعجل النتائج.  فالله عز وجل وعد بنصر أنبياءه وأولياءه المؤممين مع أن منهم من مات أو قتل قبل أن يدرك النصر, موضحا أن الانتصار الحقيقي هو السير والثبات على المنهج, أما النتائج فهي من عند الله.

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق