المشرف العام
تجارب
بريق العقد..في جيد الزّمن
 
تمت الإضافة بتاريخ : 10/01/2013م
الموافق : 28/02/1434 هـ
fiogf49gjkf0d

بريق العقد..في جيد الزّمن

هناء الحمراني

كنتُ في الثّانويّة يوم قرأتُ عددًا من مجلّدات العقد الفريد التي توفّرت لديّ.. ولمّا أخبرتُ والدي عن ذلك العالم الجميل الذي دلفت إليه ردّ قائلاً بأنّني سأقرؤه بشكل مختلف عندما أكبر..

وبعد سنوات..عدْتُ لقراءة العقد فوجدت بريقه قد خفت.. ولم يعد يفتح لي أبوابه السّحريّة كما كان.. وأصبح في نظري كتابًا تاريخيًّا يوازي الأوضاع السّياسيّة والفكريّة للأزمنة التي كتب عنها..

نحن لا نفهم عبارات الكبار جيّدًا إلاّ عندما نخوض التّجربة التي تذكّرنا بأقوالهم.. ولن أقول -"للأسف"- لأنّ خوض التّجربة يعطي الإنسان فرصة رائعة للتّعلّم.. أكثر ممّا تعطيه الخبرات التي تمّ اختزالها في جمل ونصائح قصيرة.

وأن نقرأ كتابًا واحدًا بنظرتين مختلفتين ليس شيئًا سيّئًا على الإطلاق.. بل إنّه يعطي فرصة رائعة للحصول على كتابين مختلفين بين دفّتي كتاب واحد.. وتجاربنا وقراءاتنا ومعارفنا المتزايدة هي التي تخلق المسافة الفاصلة بين القراءة الأولى والقراءة الثّانية.

والحقّ أنّ اختلاف الرّؤية بين مراهقة الأمس وشابّة اليوم جعلتني أجفل تمامًا من القراءة الثّانية لروايتي "الفضيلة" و"تحت ظلال الزيزفون" خشية أن تفقد روعتها ولذّتها التي تركتها في ذاكرتي وقلبي طوال السّنين الماضية.

ولكن مقياس خفوت البريق ليس صحيحًا دائمًا.. فهناك الكثير من الكتب التي لا تروق لنا في سنّ أو فترة معيّنة.. فنتركها رهينة المكتبة والغبار.. وبعد سنوات من التّجاهل نعود لتصفّح الكتاب فنجده من أجمل الكتب التي تحملها مكتبتنا على الإطلاق.

فالميل إلى كتاب معيّن يحكمه السّنّ.. والعمل الذي يقوم به القارئ.. واهتماماته الحاليّة..وطموحاته المستقبليّة..وتجاربه التي خاضها أو يعيش معمعتها.. بل وحتى صحبته التي يخالطها تؤثّر في قراءاته.

كتاب "ليس المهمّ مقدار ذكائك بل كيف تستخدم ذكاءك" للدكتورة جين آن كريغ.. من الكتب التي قرأتها قبل سنوات.. فراق لي.. وازددتُ به إعجابًا في القراءة الثّانية.. بل واكتشفتُ أنّني لم أدرك قيمته كما يجب في قراءتي الأولى.. ذلك أنّ الفكرة التي استقرّت في رأسي أيامها هي: "كيف أحصل على رضا الآخرين"، بينما هذا الكتاب يهمّه أن "أحقّق السّعادة الحقيقيّة لنفسي، وأضع الحدود التي تحميني من سطوة الآخرين على حياتي".

والآخرون هم الأشخاص الذين يحيطون بنا عادة في المنزل أو العمل أو الدّراسة أو حتى في اللّقاءات العابرة على عزيمة عشاء أو حفل زفاف..

ولفرط سعادتي بكتابي الحبيب وجدت كتابًا بعنوان "لغة الذكاء العاطفي" واقتنيته مباشرة قبل أن أكلّف نفسي عناء تصفّحه.. وما أن حصلتُ على فرصة الجلوس معه حتى اكتشفتُ أنّه يشرح لي -وبكلّ استماتة- "كيف أحصل على رضا الآخرين"..وكلّما قرأتُ فيه سطرًا ازداد حنقي أكثر.. فالوسائل المتّبَعة فيه استُخدمت كهدف لإرضاء الآخرين.. بينما كان يُفترض أن تكون وسائل لتحقيق الرّضا عن الذّات وتطوير القدرات الشّخصيّة.

ولو أنّني اشتريتُ هذا الكتاب قبل سنوات قريبة لكنتُ أسعد النّاس به.. ولهتفتُ بأنّني وجدت مفتاحًا سحريًّا أفتح به القلوب المغلقة.

يا للمفارقة الطّريفة التي ترفع قيمة الكتاب أو تهبط به لدى قارئه.

إنّ السّعي لإرضاء الآخرين ينبع في كثير من الأحيان بسبب إحساسنا بضعف قيمتنا.. وبأنّ هذه القيمة إنّما تستمدّ من رضا النّاس عنا.. فإنْ هم رضوا أدخلونا جنّة الدّنيا..وإنْ هم سخطوا فـ"اذهبْ إلى الجحيم"..

وهذا ما يعزّزه الكتاب الثّاني بينما ترفضه جين آن كريغ.. وتسعى إلى تعزيز قيمة الإنسان في نفسه.. وإذا أردنا الاسترسال في الحديث فإنّ قيمة الإنسان الحقيقيّة تعلو وتهبط بقدر رضا الله عنه.. وهذا هو الرّضا الذي يجب أن ندركه.. وسندركه إنْ سعيْنا إليه..

فكلّما طرقْنا الأبواب المفضية إلى رضا الله من أداء الفرائض والمداومة على النّوافل وذكْر الله رضي الله عنّا.. وملأ قلوبنا رضًا.. وبذلك نزداد فقرًا إليه سبحانه، ونزداد غنًى عن الآخرين.

ولا يكون المرء أنانيًّا حين يهتمّ لنفسه، ولا يحرص على رضا الآخرين.. لأنّ رضا النّاس غاية يجب ألاّ تُدرك.. ولا تُستدرك.. ليس لأنّها لن تتحقّق وحسب.. بل لأنّنا غير مأمورين بذلك أساسًا.. وحين أقول ذلك قد يشعر من يسمعني بأنّني مستعدة لأن أتخلّى عنه في أوّل محطّة أُخيّر فيها بين مصلحتي و مصلحته.. وهذا بالتّأكيد غير صحيح..

فالوسائل المفضية إلى رضا الله -عزّ وجلّ- توضّح وبجلاء أنّ الله لم يأمرنا بألاّ نبالي بغيرنا من البشر.. فكم هي الآيات والأحاديث الواردة في الإحسان إلى النّاس.. وفضل من يعين ويصفح ويستر ويدافع عن أعراض المسلمين.. وكفّ الأذى عنهم.. والتّشديد على من يؤذيهم ويعتدي عليهم.. وشواهد الحياة تثبت لكلّ ذي عقل أنّه كما تدين تُدان..

ولكنْ شتّان بين حسن الخلق وإرضاء النّاس.. فحسن الخلق يملي على الإنسان ألاّ يطفّف المكيال، أو يبخسه بحسب من يعامل.. وهو المبدأ العظيم الذي يجعل مصلحة الآخرة هي المقياس الذي على أساسه يتمّ التّعامل مع الآخرين.

بينما إرضاء النّاس هدف يسوّغ كلّ الوسائل المتّبعة لتحقيقه حتّى وإن كانت على حساب المرء نفسه أو على حساب أسرته.. أو حتّى على حساب دينه.

لا أخفيكم بأنّ كتاب جين غير كافٍ ليشرح هذا كلّه.. وأنّ كتبًا رائعة مثيلة يمكنها تعزيز الفكرة إلى جانب مدرسة الحياة التي تختبرنا ثم تعلّمنا الدّروس.. وما نقرؤه ليس إلاّ إشارات تعيننا على تحديد المعالم الصّحيحة لطريقنا في هذه الحياة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإسلام اليوم

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق