المشرف العام
لقاءات
معيار الكسب الحلال
 
تمت الإضافة بتاريخ : 22/09/2012م
الموافق : 7/11/1433 هـ
fiogf49gjkf0d

معيار الكسب الحلال

قناة الجزيرة / موقع القرضاوي

عثمان عثمان : مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بكم على الهواء مباشرة في هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}[النساء:29]، ويقول عز وجل أيضا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ..}[البقرة:267]، فالاكتساب أمر تعلق به بقاء نظام العالم كما يقول الإمام محمد بن الحسن الشيباني لأن الكسب أحد أسس التمدن وانتظام معاش الناس وبناء الحرف والصنائع ولو تركت هذه كلها لبطلت المعايش وهلك أكثر الخلق، فانتظام أمر الكل بتعاون الكل كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله. وبما أن الدنيا مزرعة الآخرة فطيب الكسب يحقق السلامة في الآخرة لأن المال أحد الأسئلة الكبرى التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة، من أين اكتسبه وفيم أنفقه، فما معيار الكسب الحلال؟ وما علاقة الكسب بالتمدن؟ وكيف تتحدد وجوه الإنفاق دون إسراف ولا تبذير؟ الكسب نظام العالم موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، مرحبا بكم سيدي.

يوسف القرضاوي مرحبا بك يا أخ عثمان.

عثمان عثمان قبل الدخول إلى محاور الحلقة يبدو أن لكم كلمة فضيلة الدكتور تفضلوا بها.

يوسف القرضاوي بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. قبل أن ندخل في الموضوع لي كلمة لا بد منها في هذا المقام تتعلق بموقف الغرب من الإسلام وسبب هذا ما قرأته أن المستشارة الألمانية ميركل منحت الرسام الدنماركي صاحب الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة إلى نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام منحته جائزة أو وساما أو شيئا من هذا تكريما له على ما بذله من رسوم حرية التعبير يعني والعجيب أن يمر هذا الخبر دون أن يعلق عليه أحد أو يبرز حتى إبرازا، أنا لولا أني قرأت في مقال إحدى الأخوات الأخت فاطمة السويدي ما عرفت هذا الأمر، يعني الرجل ليس ألمانيا يعني وليس الحديث في هذه الأيام، مر وعمل ضجة في العالم فكأن هذه المرأة تتحدى العالم الإسلامي وتضرب به عرض الحائط ثم تُستقبل في بلاد العرب وبلاد المسلمين كأنها فاتحة وكأنها عبقرية من العبقريات و.. و... ولا شيء! يعني فهذا في الحقيقة ما ننكره أشد الإنكار، نحن أنكرنا على المسلمين الذين قاموا بأعمال لا يقبلها الإسلام ضد الغرب تناولت مدنيين وتناولت أبرياء، أنكرنا هذا ولكن هذه الأعمال هي التي تنشئ مثل هذه الأعمال، أعمال العنف هذه من أين تنشأ؟ تنشأ من مثل هذه التصرفات. فأنا أنكر هذا الأمر بشدة وأنكر السكوت عليه لأن هذا نوع من التواطؤ ومن التعاون على الإثم والعدوان وأرى أنه لا بد من الاحتداد الشديد على هذا الأمر من حكامنا ومن المؤسسات ومن الهيئات، ومن المؤتمر الإسلامي ومن الجامعة العربية ومن المؤسسات الكبرى الجامعات مثل الأزهر ومثل رابطة العالم الإسلامي يعني وهذه الأشياء يجب أن تنكر هذا الأمر فهذا من حقنا نحن المسلمين بل من واجبنا أن ننكر مثل هذا المنكر الشديد الإنكار.

وجه فرضية الكسب وعلاقته بالدين والتمدن

عثمان عثمان فضيلة الدكتور بالعودة إلى موضوع البرنامج، الفقهاء جعلوا الكسب والاكتساب فريضة شرعية، بداية فضيلة الدكتور ما وجه فرضية الكسب؟ وهل توضحون لنا علاقة الدين بالكسب والاكتساب والمعاش.

يوسف القرضاوي أولا هو الأصل في الاكتساب أنه حقيقة من المباحات ولكن هو واجب من ناحية أخرى والأصل في الأفراد ليكتسبوا الأصل أن الإسلام شرع لهم الكسب وهو أمر مشروع إنما فرضيته ليست لكل الناس، من يحتاج إلى الكسب يجب عليه أن يسعى ولا يتكفف الناس ولا يسأل الناس ما دام عنه قدرة الأصل أن القادر على العمل يجب أن يبحث عن رزقه بعمله. الكسب هو إيه؟ الكسب هو طلب المعاش عمل الإنسان لدنياه لاكتساب الرزق وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان يعني له حاجات ومطالب يأكل ويشرب ويلبس كما كان هذه الأشياء موجودة في الجنة بلا تعب، {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى}[طه:118] ربنا قال لآدم كده {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}[طه: 118، 119]، فحاجاتك من الأكل والشرب واللبس والمسكن، لا تضحى يعني لا تتعرض للشمس يعني مش محتاج إلى هذا، هذه الأشياء لم تعد موجودة في الأرض، وقال له كذلك {..فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى}[طه:117]، شقاء في السعي والكدح وكد اليمين وعرق الجبين، ومن هنا لما أنكر الناس على الرسل والأنبياء أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وأنكروا المشركون من قريش والعرب على محمد هذا الأمر، قال تعالى {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ..}[الفرقان:20]، وقال {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ}[الأنبياء:8]، ربنا ما خلقش البشر ناس تستغني عن الطعام مثل الملائكة، ومن هنا حينما خلق الله هذه الأرض بارك فيها وقدّر فيها أقواتها وجعل فيها المعايش قبل أن يخلق آدم، قال {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ، وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ..}[الأعراف: 10، 11]، فقبل خلق آدم هيأ الله له المعيشة وهيأ الله له الأرزاق وبارك فيها في هذه الأرض، إلا أن سنة الله أن هذه الأرزاق لا تنال إلا بالسعي، كما قال سيدنا عمر يعني "لا يقعدن أحد عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة" بل لا بد من السعي وأساس هذا قول الله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ..}[الملك:15] فالمشي هذا أمر هذا أفضل من استدلال الإمام محمد بن الحسن بقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ..}[الجمعة:10] لأنه ممكن أن يقال هذا يعني أمر بعد الحظر لأنه قال وذروا البيع وبعدين فالأمر بعد الحظر يعني يفيد الإباحة، إنما هذه الآية تخاطب الجميع ابتداء {..فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا..} التمسوا الرزق في خبايا الأرض بالزراعة بالصناعة بالاحتراف {.. وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ..} فرزق الله موجود، فمن هنا الأصل في هذا الأمر كما يقول الإمام الشاطبي، له قاعدة أن في أشياء قد تكون مباحا بالجزء واجبا بالكل، فالسعي على المعاش هو مباح بالجزء على حسب حاجة الناس ولكنه واجب كليا على الجميع أن يسعى يعني السعي مطلوب لإغناء النفس حتى لا تتكفف الناس، لإغناء الأسرة كما وجدنا البنتين ابنتي الشيخ.. وأبونا شيخ كبير يعني بترعيا الغنم لأن الأسرة محتاجة إلى هذا، قد يحتاج إلى ذلك المجتمع لأن المجتمع يجب أن يكون مجتمعا قويا غنيا المجتمع المسلم لعمارة الأرض ونشأكم من الأرض، العمل مطلوب لعمارة الأرض، العمل مطلوب لذاته، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة.." -يعني نخلة صغيرة المصريون بيقولوا عليها شتلة يعني نخلة صغيرة- يريد أن يغرسها فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها. يعني الساعة ما تقمش إلا ما يغرسها يغرسها، طيب يغرسها ليه؟ يعني لا حينتفع بها لا هو ولا.. الساعة تقوم لماذا يغرسها ولن يستفيد من غرسها أحد؟ هذا إشارة إلى أن المسلم يظل عاملا منتجا معطاء يعطي الحياة إلى أن تلفظ آخر أنفاسها لأن العمل نفسه عبادة فيتعبد لله إلى آخر رمق في حياته.

عثمان عثمان حتى ولو كان الإنسان يملك ثروة كبيرة من المال هل يجب عليه العمل هنا؟

يوسف القرضاوي العمل يراقب هذه الثروة يعني لو عنده مال، ليه الإسلام حرم الربا؟ طيب يقول لك أنا عندي مليون أديه لـ 10% يجيب لي مائة ألف وأنا قاعد، لا، لازم تشغل هذا العمل إما بنفسك إما تشارك أحد مشاركة أو مضاربة أو شيء من هذا بحيث يجب عليك أنك تتابع الأمر، المال لا يلد المال وحده بدون مشاركة أو مخاطرة هذا مرفوض في الإسلام.

عثمان عثمان دائما كان هناك حديث مولانا عن ربط الكسب بالتمدن، ما وجه العلاقة بينهما؟

يوسف القرضاوي لأن الكسب لعمارة الأرض، نحن ليه بنقول لإغناء المجتمع لعمارة الأرض لإحياء الحياة؟ من أحيا أرضا ميتة فهي له، هذا كله يعني الزراعة والصناعة وهذه الأشياء كلها من شأنها أنها تقيم التمدن فالعمل في مجموع حينما ينتظم لأن المفروض العمل في المجتمع المسلم لازم يتكامل مش الناس كلها تشتغل في الزراعة وتسيب الصناعة أو الناس كلها تشتغل في التجارة وتسيب الحرف، لا بد أن توزع المكاسب كلها على المجتمع بالقسطاس المستقيم وهنا يكون دور الموجهين ودور أولي الأمر في الأمة من الحكام ومن العلماء ومن أهل الرأي والتوجيه بحيث الأشياء لا يطغى بعضها على بعض تبقى ثغرات ليس فيها شيء ما فيهاش أي حاجة وثغرات عليها ازدحام فهذا هو أساس التمدن الحقيقي، ليس هناك تمدن بالبطالة إنما التمدن يأتي بالعمل وبإحسان العمل لأن الإسلام مش بس أمرنا بالعمل أمرنا أن نحسن العمل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، معنى كتبه يعني إيه؟ يعني فرضه فرضية موثقة زي ما قال كتب عليكم الصيام، كتب عليك القصاص في القتلى، يعني فرضه فرضية موثقة مكتوبة مؤكدة، فالإحسان فريضة إسلامية لازم تعمل العمل وتتقنه "إن الله يحب من أحدكم إن عمل عملا أن يتقنه" ولذلك لماذا نحن لم ندخل ميدان الصناعة وننافس العالم؟ لأننا لم نتعود إحسان العمل، ماشيه ماشية، مع أن الصناعة لا بد خصوصا اللمسات الأخيرة في العمل بحيث يطلع مضبوط، إذا تريد أن تنافس العالم في الصناعات وهذه الأشياء لا بد أن تعود الأمة إحسان العمل وإتقان العمل.

حول التوكل وفقه الكسب والاكتساب

عثمان عثمان فضيلة الدكتور هناك بعض المفاهيم المشكلة في أفهام بعض الناس، أن الكسب ربما يناقض مسألة التوكل على الله عز وجل، كيف يمكن توضيح هذه المسألة؟

يوسف القرضاوي هذا هو هناك أمران مما يعني يجري عند بعض المتصوفة والسالكين هو موضوع الزهد وموضوع التوكل، فالناس الزهد مش محتاجين إلى الدنيا ولا كذا يحسبك أنك تأكل لقمة والثانية وخلاص، ولكن الإسلام كما قلنا مش يريد إقامة فرض فقط يريد الفرد الصالح والأسرة الصالحة والمجتمع الصالح والأمة الصالحة والدولة الصالحة، والصلاح هذا مش الصلاح التسبيح كما جاء {..أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}[الأنبياء:105] من هم الصالحون؟ الصالحون لإقامة المجتمعات الفاضلة لإقامة الأمة الصالحة في الأرض وهذا يحتاج إلى قوة اقتصادية وقوة علمية وقوة تكنولوجية وقوة.. هذا لا بد من هذا فإذا أردنا أن نقيم حياة لا بد أن نراعي هذه الأمور كلها العلم والعمل والتكامل في الأمور حتى يعني نقيم حياة طيبة تليق بالإنسان المؤمن، الله تعالى يجعل الحياة الطيبة جزاء للإنسان المؤمن {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..}[النحل:97]، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ..}[الأعراف:96]، {..وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ..}[الطلاق:2، 3]، {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً}[الجن:16] إنما الناس مش فاهمة، فاهمة الإيمان والتقوى على غير.. الإيمان والتقوى أنك تعمل حسب سنن الله لا تهمل سنن الله وتنتظر أنك تجيب نتيجة وأنت لم تجد، من جد وجد ومن زرع حصد، إنما لا تزرع وتريد أن تحصد وأن تنافس الزارعين؟ هيهات هيهات!

عثمان عثمان فضيلة الدكتور يعني انطلاقا من هنا هل يمكن الحديث اليوم عن فقه للكسب والاكتساب؟

يوسف القرضاوي طبعا في فقه الكسب وفقه المعاش والمسلمين يعني أفاضوا يعني فيه في كتب الفقه وفي كتب خاصة مثل كتاب يعني الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة هو كتاب صغير كده ولكن شرحه الإمام السرخصي صاحب "المبسوط" ووسع فيه، وجاء هناك أناس ألفوا كتبا ومنها من ألف كتاب "البركة في السعي والحركة" وغيرها من الكتب، وإن كان كثير من هذه الكتب يغلب عليها كثرة الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة وما لا أصل له يعني ولكن عندنا من القرآن الكريم من محكمات القرآن ومن صحاح السنة ما يغنينا عن هذه الأباطيل. فأريد أن أقول تكملة لمسألة التوكل، التوكل ليس هو ترك العمل، التوكل في القلب إنما لا ينافي التوكل أنك تأخذ بالأسباب، خذ بالأسباب واترك النتائج إلى رب الأرباب، ابذر الحب وارج الثمار من الرب، بعضهم يستدل بالتوكل بالحديث الشريف "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا"، الإمام أحمد رد على اللي بيستدلوا بالحديث قال لهم ما شفتوش الحديث يشير إلى التسبب، لأنك تغدو خماصاً يعني ربنا لما يضمن لها أنها ترجع بطاناً يعني شبعانه إلا بعد أن تغدو، تغدو يعني تتحرك وتعمل، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سأله الأعرابي يا رسول الله أرسل ناقتي أم أربطها وأعقلها؟ قال له اعقلها أو قيدها وتوكل. أتركها وأتوكل ولا أربطها وأعقلها؟ قال له اعقلها اربطها بالعقال وتوكل، فهذا توكل مطلوب. ومما يذكره رجال التصوف وأهل الرقائق قصة لطيفة قرأتها عن إبراهيم بن أدهم وصديقه شقيق البلخي كلاهما من رجال الزهد والسرور، شقيق البلخي ودع إبراهيم بن أدهم وذهب في رحلة للتجارة ولم يلبث إلى أياما ثم عاد وبعدين وجده إبراهيم بن أدهم قال له ماذا عجل بعودتك رجعت سريعا ليه؟ قال له رأيت عجباً، قال له ماذا رأيت؟ قاله والله دخلت يعني مكانا مهجورا كذا خربا فوجدت فيه طائرا كسيحا أعمى فعجبت كيف يعيش هذا الطائر لا هو بيقدر يتحرك ولا بيشوف، فبعد مدة جاء طائر آخر جايب له الأكل بتاعه يدي له الأكل ويجيب له الماء يسقيه من فمه، وبعد كم ساعة جاب له تاني فبيقول أنا قلت الذي رزق هذا الطائر الكسيح قادر على أن يرزقني ورجعت، فقال له يا شقيق ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يطعمه طائر آخر لماذا لا تكون الطائر البصير الذي يملك جناحين ويطير بهما ويطعم الطيور الضعيفة الأخرى؟ أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم "اليد العليا خير من اليد السفلى"، فهنا أقبل شقيق وعانقه وقال له أنت أستاذنا ياأبا اسحاق ورجع ثاني إلى.. فليس التوكل هو ترك الأخذ بالأسباب إطلاقا، بل سيدنا عمر يقول لما شاف جماعة في المسجد يقولون إحنا متوكلون قال لهم أنتم لستم متوكلين أنتم متأكلون لا متوكلون، المتوكل من زرع حبه من ألقى حبه في الأرض وتوكل على الله ويتابع الحبة طبعاً يسقيها ويتعهدها حتى تثمر.

عثمان عثمان : سيدي طالما تحدثنا عن فقه الكسب والاكتساب ما الذي يجب على المسلم وجوبا عينياً تعلمه من فقه المعاملات والمكاسب؟

يوسف القرضاوي : شوف هناك فقه لكل حرفة يعني المطلوب من الزارع غير المطلوب من الصانع غير المطلوب من التاجر وكل حرفة لها يعني إذا كان بيزرع لازم يعرف إيه المحرم من الزرعات لا يزرع الحشيش أو الأفيون أو شيء مما يضر الناس بل المفروض يبحث عن الأشياء التي يحتاج إليها الناس حتى لو كان الناس محتاجين إلى القمح وراح هو يزرع يعني الأشياء ترفيهية والناس محتاجة إلى القوت مطلوب منك الواجب عليك توفر القوت للناس، يعني إذا كنت يعني صانعا ابحث لازم تعرف صنعتك ماذا يحرم فيها وماذا يحل، لا يجوز لك أن تصنع الخمر مثلا أو المخدرات لا يجوز لك أن تصنع الأصنام أو التماثيل المحرمة لا يجوز لك أن تربي الخنازير وتبيعها للمسلمين، لازم تعرف في حرفتك هذه أو في مهنتك ماذا يحرم فيها. حتى يعني التجارة، التجارة أيضا لها محرمة حتى كان سيدنا عمر يقول لا يجوز أن يدخل سوقنا من لم يتفقه في ديننا. إذا دخلت السوق، السوق له فقه في معاملات محرمة يعني الاحتكار الربا الغش النجش إيهام الشخص أنك عايز تشتري وأنت مش حتشتري يعني في أشياء كثيرة من المحرمات، الاحتكار يعني "لا يحتكر إلا خاطئ" كما في صحيح مسلم يعني إلا آثم كما قال الله عن فرعون وهامان {..إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}[القصص:8] أي كانوا آثمين، لازم تعرف إيه المحرم في ذلك، إذا كنت تشتغل في الصيرفة لازم تعرف فقه الصرف في التجارة تعرف فقه البيوع يعني ما الذي يحل في البيوع وما الذي يحرم منها، في مثلا بيع اسمه بيع الصرف في بيع اسمه بيع السلم، لازم تفقه في ما تحتاج إليه لأن ما تحتاج إليه يجب ولكن يجب أن يكون عندك أولويات الفقه حتى تعرف لأنه اذا كان ما عندكش فكرة أن الزكاة فيمن يملك النصاب يعني مش حتعرف إمتى حتبحث عن فقه الزكاة لازم تعرف إيه النصاب في المال الذي تملكه، عندك أنعام اذاً ما هو النصاب في الأنعام، عندك حبوب ما هو ملك النصاب في الحبوب، عندك تجارة ما هو ملك النصاب، لازم يكون عندك فقه عام بعدين تبحث عن الأشياء التي تهمك في تجارتك وربما ما تستطيع أن تصل إلى كل شيء، في أشياء اسأل عنها إذا لم تجدها في كتب ميسرة لك اسأل عنها أهل الذكر {..فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل:43].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من برنامج / الشريعة والحياة (باختصار)

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق