المشرف العام
بحوث ودراسات
العطية والنفقة بين الأولاد
 
تمت الإضافة بتاريخ : 26/04/2012م
الموافق : 5/06/1433 هـ

فضل محمد البرح

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

العدل أصلٌ في العطية.

اتفق العلماء على مشروعية العدل بين الأولاد في العطية فلا يخص أحدهم أو بعضهم بشيء دون الآخر، قال ابن قدامة (1) : ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية وكراهة التفضيل.

ثم اختلفوا في حكم التفضيل بينهم على أقوال أقواها من جهة الدليل قولان:

القول الأول: أنه يحرم التفضيل مطلقا وهو المشهور عند الحنابلة. (2) وهو مذهب الظاهرية سواء كان هذا التفضيل لسبب أو لغير سبب.

القول الثاني: أنه يحرم التفضيل إلا إذا كان لسبب شرعي وهو رواية عن أحمد.

واختارها ابن قدامة (3) وابن تيمية. (4) واستدل كلا الفريقين على تحريم التفضيل بحديث النعمان بن بشير أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني نحلت ابني هذا غلاما فقال أكل ولدك نحلت مثله؟ قال لا قال: فأرجعه. (5) وحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول:"أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال لا قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال فرجع فرد عطيته". (6)

وكذلك حديث النعمان قال: "سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي وأنا غلام، فأتى بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: ألك ولد سواه؟ قال: نعم. قال: فأراه قال لا تشهدني على جور، وقال أبو حريز عن الشعبي لا أشهد على جور". (7)

ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة من وجوه:

الأول: أمره بالعدل والأمر يقتضي الوجوب.

الثاني: بيانه أن تفضيل أحدهم أو تخصيصه دون الباقين ظلم وجور، إضافة إلى امتناعه عن الشهادة عليه وأمره برده، وهذا كله يدل على تحريم التفضيل.

واستدلوا أيضا بحجج عقلية منها  ما ذكره ابن حجر. (8) حيث قال رحمه الله : "ومن حجة من أوجب: أن هذا مقدمة الواجب لأن قطع الرحم والعقوق محرمان فما يؤدي إليهما يكون محرما والتفضيل مما يؤدي إلى ذلك".

ومنها أن تفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء فيما بينهم. (9)

واستدل أصحاب القول الثاني على جواز التفضيل لحاجة أو مصلحة أو عذر بما جاء عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله. قالت عائشة: فقلت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر ذو بطن بنت خارجة أراها جارية " (10)

ووجه الدلالة منه ما ذكره ابن قدامة :" يحتمل أن أبابكر خصها بعطية لحاجتها وعجزها عن الكسب، مع اختصاصها بالفضل وكونها أم المؤمنين وغير ذلك من فضائلها. (11)

وأجيب عنه بما ذكره الحافظ (12) قال:"قد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك. (13) 

وقد أطلق ابن القيم رحمه الله. (14) القول بالتحريم  وقال:"لو لم تأت السنة الصحيحة الصريحة  التي لا معارض لها بالمنع منه  لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضي تحريمه".

وأطلق سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله المنع من تفضيل الأولاد بعضهم على بعض،  وأن العدل واجب بينهم ذكوراً وإناثاً حسب مواريثهم إلا إذا أذنوا وهم بالغون راشدون . (15)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:"لا يجوز للإنسان أن يفضل بعض أبنائه على بعض إلا بين الذكر والأنثى، فإنه يعطي الذكر ضعف ما يعطي الأنثى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" فإذا أعطى أحد أبنائه 100 درهم وجب عليه أن يعطي الآخرين مائة درهم ويعطي البنات 50 درهما ، أو يرد الدراهم التي أعطاها لابنه الأول ويأخذها منه، وهذا الذي ذكرناه في غير النفقة الواجبة ، أما النفقة الواجبة فيعطي كلا منهم ما يستحق، فلو قدر أن  أحد أبنائه احتاج إلى الزواج ، وزوَّجه ودفع له المهر لأن الابن لا يستطيع دفع المهر فإنه في هذه الحال لا يلزم أن يعطي الآخرين مثل ما أعطى لهذا الذي احتاج إلى الزواج ودفع له المهر لأن التزويج من النفقة. (16)

التفريق بين النفقة والعطية

ينبغي التفريق بين النفقة والعطية، فالنفقة التي ينفقها الأب على أبنائه تختلف باختلاف حاجتهم، فنفقة الصغير ليست كنفقة الكبير، ونفقة من يدرس في المراحل الأولى ليست كنفقة من يدرس في الجامعة، ونفقة البنت ليست كنفقة الولد غالباً.

ومن ذلك: نفقة الزواج، فما ينفقه الأب على زواج أحد أبنائه لا يلزمه أن يعطي مثله لمن لم يتزوج؛ لأن هذا من باب النفقة التي تعطى من يحتاج لها فحسب، فإذا كبر آخر زوّجه، وهكذا.

وهذا يقال في المسكن أيضا ، فإذا كان للأب مسكن، واحتاجه الابن المتزوج فإنه يعطى له من باب الانتفاع ، لا التمليك، فتسد حاجته بذلك، وكذا لو احتاج سيارة مثلا، أعطيت له ليركبها ، دون أن يملكها.

والمقصود: أنه يعطى كل ابن ما يحتاجه ويناسبه.

وأما العطية الزائدة على النفقة فهذه هي التي يجب فيها التسوية، ويحرم فيها تفضيل أحد الأبناء على الآخرين، فيسوَّى بين الأولاد الذكور، ويعطى الذكر مثل حظ الأنثيين، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله منبها على الفرق بين النفقة والعطية:"فإذا فرضنا أن أحدهم في المدارس ويحتاج إلى نفقة للمدرسة من كتب ودفاتر وأقلام وحبر وما أشبه ذلك ، والآخر لا يقرأ، وهو أكبر منه لكنه لا يحتاج ، فهل إذا أعطى الأول يجب أن يعطي الثاني مثله؟ الجواب: لا يجب؛ لأن التعديل في الإنفاق يعني أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج إليه. مثاله : لو احتاج الولد الذكر إلى غترة وطاقية قيمتهما مائة ريال، واحتاجت الأنثى إلى قروط في الآذان قيمتها ألف ريال ، فما هو العدل؟ الجواب : العدل أن يشتري لهذا الغترة والطاقية بمائة ريال، ويشتري للأنثى القروط بألف ريال أضعاف الذكر عشر مرات ، هذا هو التعديل.

مثال آخر: إذا احتاج أحدهم إلى تزويجه والآخر لا يحتاج، فما العدل؟

الجواب: أن يعطى من يحتاج إلى التزويج ولا يعطى الآخر، ولهذا يعتبر من الغلط أن بعض الناس يزوج أولاده الذين بلغوا سن الزواج ويكون له أولاد صغار فيكتب في وصيته: إني أوصيت لأولادي الذين لم يتزوجوا أن يُزَوًّج كل واحد منهم من الثلث، فهذا لا يجوز؛ لأن التزويج من باب دفع الحاجات ، وهؤلاء لم يبلغوا سن التزويج ، فالوصية لهم حرام، ولا تنفذ أيضا ، حتى الورثة لا يجوز لهم أن ينفذوها إلا البالغ الرشيد منهم إذا سمح بذلك، فلا بأس بالنسبة لحقه في التركة". (17)

ومن احتاج إلى سكن، فلا حرج أن يؤذن له بالسكن في إحدى الشقق، مع بقائها على ملكه، ولا يلزمه أن يعطي شيئا لإخوانه أو أخواته ، كما لا يلزمك أن تعطيهم شيئاً، ما داموا لا يحتاجون إلى مسكن، إما بسكناهم معك أو بسكن البنت مع زوجها، وجاء في فتاوى الإسلام سؤال وجواب: فإن كان الابن غير محتاج للسكن، كان السماح له بالانتفاع بالشقة مجانا من باب العطية ، فيراعى العدل حينئذ ، بأن تعطي لبقية إخوانه مثل إيجار الشقة، أو يدفع الابنُ الأجرة وتكون لك، أو يعطي إخوانه جميعا حقهم من الأجرة، وإن أردت تمليك الشقق لأبنائك، لزمك العدل بينهم، وجعل ما للذكر ضعف ما للأنثى، كما في الميراث، ومن الخطأ أن يملّك الابن الشقة مثلا، ثم يقال له: أعط إخوانك، أو أن يملّك الذكور، ويطلب منهم إعطاء الإناث ؛ لأنهم قد يعطون وقد لا يعطون، وحاجة الابن للسكن – لو كان محتاجا – تندفع بالسماح له بالسكن، دون أن يملّك، فإذا أراد الأب التمليك، لزمه العدل، وينبغي أن يوثق ذلك منعا للنزاع والاختلاف بين الأولاد.

تفضيل أحد الأولاد مقابل الخدمة:

ينتشر في المجتمع أن الوالد غالبا يُسكن أولاده الذكور أو بعضهم على نفقته بأن يستأجر لهم أو يسكنهم في بعض الشقق والمساكن التي يمتلكها، أو يبني لهم، وهذا مخالف للعدل الرباني والنصوص الواردة في العدل بين الأولاد، وقد سئل الشيخ عبد الله بن عقيل ما نصه: أنا رجل صاحب مال، ولي أولاد، وبعضهم يتهرب من خدمتي، ورعاية مصالح مالي، ومنهم واحد مخلص معي، وقائم بأعمالي الخاصة والعامة، فهل يجوز لي أن أعطيه شيئا يختص به، إما دفعة واحدة أو أخصص له راتبا شهريًّا زيادة على إخوانه، أم لا، وأنا قصدي العدل، وبراءة الذمة، مع مكافأة الولد المحسن على إحسانه؟

فأجاب: اللَّه تعالى أوجب العدل على الآباء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اتقوا اللَّه، واعدلوا بين أولادكم".(755) كما يجب على الأبناء البر بأبيهم، وخدمته، والإحسان إليه كما أمر اللَّه. وهذه المسألة كثيرة الوقوع، وقد سئل شيخنا عبدالرحمن بن سعدي عن مثلها فأجاب(756) بما نصه: الابن المذكور له حالة عالية محمودة، وحالة لا حرج عليه فيها، ولا يلام عليها، أما الحالة العالية: فهو أنه يبقى على خدمة والده، والقيام بأشغاله، يرجو بذلك الأجر من اللَّه، والبر بوالده وإخوانه، ويحمد اللَّه تعالى أنه وُفق لهذه الحالة التي هو عليها، ومن كانت هذه نيته فهو غانم للأجر، وعاقبته حميدة. وأما الحالة الأخرى: فهو إذا لم يرغب إلا أن يكون لقيامه بأشغال والده له على ذلك مصلحة فالطريق في ذلك أن يعقد معه أبوه عقد إجارة كل شهر، أو كل سنة، بشيء معين، مثلما يأخذ غيره من الناس، فهذا يصير مثل الأجير مشاهرة، أو مدة يتفقان عليها. وأما تخصيص المبلغ المذكور زيادة على إخوته فهذا ما يصلح؛ لأنه لا يدري هل هو مقدار استحقاقه، أو أقل، أو أكثر، وأيضا وسيلة إلى محاباته، ووسيلة إلى أنه يُنْسَب إلى الحيف، والتخصيص لبعض أولاده دون بعض بخلاف عقد الإجارة، أو غيرها. واللَّه أعلم. وصلى اللَّه على محمد وعلى آله وسلم. اهـ. واللَّه أعلم.(18)

وسئلت اللجنة الدائمة عن تمييز بعض الأولاد ببعض المال مقابل خدمتهم وكونهم يعيشون في كنف والدهم وتحت تصرفاته مرابطين ومضحيين من أجله، وفي مقابل أن ثمة أبناء يعيشون بعيدا عن والدهم، ومستقلين ماليا عنه، وأبناء آخرون يعيشون تحت كنف والدهم، وقائمون بخدمته وتحت تصرفاته، فأجابت:"الأصل في هذا الباب وجوب العدل بين الأولاد؛ لورود الأدلة في ذلك، ويجوز للوالد أن يعطي من أولاده من قام لخدمته، والقيام بشئونه مقابل هذه الخدمة، وليس في ذلك تفضيل له عن إخوته الآخرين، بشرط أن يكون ما يدفعه له هو أجرة المثل، سواء كان ذلك يوميا أو شهريا أو سنويا. (19)

وسئل الشيخ ابن باز حول تفضيل أحد الأولاد على الآخرين في العطاء  لامتيازه بالبر والعطف على والديه , فيخصه والده بالبر والعطية من أجل ما امتاز به من البر فكان الجواب:" لا شك أن بعض الأولاد خير من بعض هذا أمر معلوم، لكن ليس للوالد أن يفضل بسبب ذلك، بل يجب أن يعدل لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم" فلا يجوز له تفضيل من أجل أن هذا أحسن من هذا وأبر من هذا , بل يجب أن يعدل بينهم ونصيحة الجميع حتى يستقيموا على البر وعلى طاعة الله ورسوله; ولكن لا يفضل بعضهم على بعض في العطية, ولا يوصي لبعضهم دون بعض; بل كلهم سواء في الميراث والعطية على حسب ما جاء به الشرع من الميراث, والعطية, يعدل بينهم كما جاء في الشرع فللرجل مثل حظ الأنثيين, فإذا أعطى الرجل من أولاده ألفا يعطي المرأة خمسمائة, وإذا كانوا مرشدين وتسامحوا, وقالوا : أعط أخانا كذا, وسمحوا سماحاً واضحاً. فإذا قالوا: نسمح أن تعطيه سيارة أو تعطيه كذا.. ويظهر له أن سماحهم حقيقة ليس مجاملة ولا خوفا منه, فلا بأس.

والمقصود أن يتحرى العدل إلا إذا كان الأولاد مرشدين، سواء أكانوا ذكوراً أو إناثاً وسمحوا لبعضهم أن يعطوا شيئا لأسباب خاصة, فلا بأس, فالحق لهم.

وسئل كذلك: هل يجوز للوالد أن يهب لأحد أولاده مالا أو عقارا دون بقية الأولاد، حيث إن هذا الولد ينفع والده دون بقية الأولاد، وما تفسير حق الوالد على الولد, وحق الولد على الوالد ؟ فأجاب:" ليس للوالد أن يخص بعض أولاده بشيء من المال على سبيل التخصيص والإيثار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" لكن إذا كان بعض الأولاد في حاجة أبيه, وبعضهم قد يخرج عنه، فإنه يجوز للوالد أن يجعل لابنه المطيع القائم بأعماله راتبا شهريا أو سنويا بقدر عمله، كالعامل الأجنبي أو أقل، مع مراعاة نفقته إذا كان ينفق عليه، وليس في هذا ظلم لبقية الأولاد؛ لكونهم هم الذين تباعدوا عن والدهم ولم يقوموا بحقه، هذا هو الذي يظهر لي من الشرع المطهر الذي جاء بتحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها، والذي جاء بشرعية مجازاة المحسن على إحسانه والمسيء بإساءته، أما بيان حق الوالد على ولده، وحق الولد على الوالد فهذا مقام يحتاج إلى بسط وتطويل، وقد ألَّف فيه العلماء. (20)

قال ابن عثيمين في أثناء حديثه عن التفضيل بين الأولاد:" وهنا مسائل:

الأولى: هل يفضل بينهم باعتبار البر؟ يعني إذا كان أحدهما أبر من الآخر، فقال: سأعطي البار أكثر مما أعطي العاق؛ تشجيعا للبار وحثا للعاق؟ فهذا لا يجوز؛ لأن البر ثوابه أعظم من دراهم تعطيه إياها، فالبر ثوابه عند الله ـ عز وجل ـ، ولا تدري فلعل البار اليوم يكون عاقا بالغد، والعاق اليوم يكون بارا بالغد، فلا يجوز أن تفضله من أجل بره.

الثانية: إذا كان أحد الأولاد يعمل معه في متجره أو مزرعته، فهل يجوز أن يعطيه زيادة على الآخر الذي لم ينتفع منه بشيء؟ فيه تفصيل: إن كان الذي يعين أباه يريد بذلك وجه الله فإنه لا يعطيه شيئا؛ لأنه يدخل في البر، وإن كان يريد عوضا على ذلك، أو أن أباه فرض له العوض قبل أن يعمل فلا بأس، ولكن يعطى مثل أجرته لو كان أجنبيا. (21)

كيفية العطية بين الأولاد من الذكور والإناث:

قال ابن باز:"اختلف العلماء رحمة الله عليهم هل يسوى بينهم, ويكون الذكر كالأنثى، أم يفضل الذكر على الأنثى –كالميراث- على قولين لأهل العلم، والأرجح أن العطية كالميراث, وأن التسوية تكون بجعل الذكر كالأنثيين, فإن هذا هو الذي جعل الله لهم في الميراث, وهو سبحانه الحكم العدل، فيكون المؤمن في عطيته لأولاده كذلك كما لو خلفه لهم بعد موته للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا هو العدل بالنسبة إليهم، وبالنسبة إلى أمهم وأبيهم، وهذا هو الواجب على الأب والأم أن يعطوا الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين, وبذلك يحصل العدل والتسوية كما جعل الله ذلك في الميراث وهو عدل من أبيهم وأمهم. (22) وقال ابن عثيمين: يجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم، يشمل الذكر والأنثى، والمراد بالعطية هنا الهبة، فهي أعم من العطية في مرض الموت.

وقد استدل الشيخ على  الوجوب بحديث النعمان بن بشير السابق.

يعني أن يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا في العطية المحضة، فلو أعطاهم بالسوية لكان هذا جورا، لأنه زاد الأنثى ونقص الذكر، أما ما كان لدفع الحاجة فإنه يتقدر بقدرها.. ولا شك أنه لا أعدل من قسمة الله ـ عز وجل ـ، ومن قال: إن هناك فرقا بين الحياة والممات، فإنه يحتاج إلى دليل على ذلك، فنقول: هم في الحياة وبعد الممات سواء. (23)

تخصيص الأولاد الذكور بالعطية عن الإناث:

تخصيص الأولاد بالعطية أو الوصية عن الإناث سواء بالمال أو ببعض أثاث المنزل أو غير ذلك وردت الأدلة بالتحريم، منها أحاديث عن النعمان بن بشير المشار إليها سابقا، وقد سئل الشيخ ابن باز عن استثناء الإناث من العطية أو الوصية عن الأولاد حيث أجاب:" ليس لك ولا لغيرك تخصيص الذكور بشيء دون البنات، بل الواجب العدل بين الجميع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، ولا يجوز أن توصي بشيء للبنين دون البنات، إلا إذا كن رشيدات، ورضين بذلك فلا حرج في ذلك، والأحوط عدم الوصية للبنين ولو رضيت البنات؛ لأنهن قد يرضين حياء منك, وهن في الحقيقة لا يرضين بذلك, فالأحوط لك ألا تخصي البنين أبدا حتى لو فرضنا أن البنات رضين بذلك؛ لأني أخشى أن يرضين بذلك مكرهات حياء منك، بل اجعلي ما خلفك للجميع على قسمة الله سبحانه وتعالى، للذكر مثل حظ الأنثيين. (24)

الرضى والرغبة بالمساواة بين الأولاد:

الرضى بالقسمة والعطية بين الأولاد عند التفضيل شرط فيه وإلا حرم ذلك، وقد سئل الشيخ ابن باز (25) عن رجل له أربعة أولاد منهم واحد موظف ومتزوج وله خمسة أولاد وجزء من المال الذي بيد والده توفير من رواتب الولد المذكور، مع العلم بأن هذا الولد قائم بنفقة أولاده ووالديه وإخوانه؛ لأنهم في بيت واحد فأحب والده أن يتبرع لابنه المذكور بخمس المال الذي بيده مقابل عن عمله ودخله فأجاب:"قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"  فليس للوالد أن يخص بعض أولاده بشيء إلا برضا الباقين المكلفين المرشدين في أصح قولي العلماء؛ لكن إذا أحب أن يجعل ما قبضه من رواتبه في المستقبل قرضا عليه أو أمانة عنده فلا بأس, وعليه أن يوضح ذلك في وثيقة معتمدة, وبذلك يكون قد حفظ له حقه الذي دخل عليه أو بعضه, ولا يكون أعطاه شيئا, وإنما هو ماله حفظه له، والله أعلم.

وسئل كذلك مانصه: هل يجوز لي أن أعطي أحد أبنائي ما لا أعطيه لآخر لكون الآخر غنيا؟ فأجاب: ليس لك أن تخصي أحد أولادك الذكور والإناث بشيء دون الآخر، بل الواجب العدل بينهم حسب الميراث أو تركهم جميعا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" لكن إذا رضوا بتخصيص أحد منهم بشيء فلا بأس إذا كان الراضون بالغين مرشدين، وهكذا إن كان في أولادك من هو مقصر عاجز عن الكسب لمرض أو علة مانعة من الكسب وليس له والد ولا أخ ينفق عليه، وليس له مرتب من الدولة يقوم بحاجته، فإنه يلزمك أن تنفقي عليه قدر حاجته حتى يغنيه الله عن ذلك.

وسئل كذلك ما نصه: والدي لديه بيت قديم جدا في موقع ممتاز، ويريد والدي تسجيل هذا البيت باسم شقيقي، وأنا راض عن ذلك، ولكن لي أخوات، وقد سألت الوالد عن نصيبهن فقال: ما عليك منهن، وقد استأذنتهن في ذلك، وأخشى أن تكون موافقتهن وسماحهن بذلك خجلا من الوالد، أفيدونا ما حكم الشرع في ذلك؟

فأجاب: يجب على الوالد العدل بين أولاده ذكورهم وإناثهم حسب الميراث، ولا يجوز له أن يخص بعضهم بشيء دون البقية إلا برضى المحرومين إذا كانوا مرشدين، ولم يكن رضاهم عن خوف من أبيهم، بل عن نفس طيبة ليس في ذلك تهديد ولا خوف من الوالد، وعدم التفضيل بينهم أحسن بكل حال، وأطيب للقلوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم".

التفضيل بالعطية للأولاد المحتاجين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون كالأعمام والإخوة مع وجود الأب، ويتوجه في البنين التسوية كآبائهم، فإن فضل حيث منعناه فعليه التسوية أو الرد وينبغي أن يكون على الفور وإذا سوى بين أولاده في العطاء ليس له أن يرجع في عطية بعضهم، والحديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك أيضا وهو في ماله ومنفعته التي ملكهم والذي أباحهم كالمسكن والطعام ثم هنا نوعان: نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك فتعديله فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه. ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير، ونوع تشترك حاجتهم إليه من عطية أو نفقة أو تزويج فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه، وينشأ من بينهما نوع ثالث: وهو أن ينفرد أحدهما بحاجة غير معتادة مثل أن يقضي عن أحدهما دينا وجب عليه من أرش جناية أو يعطي عنه المهر أو يعطيه نفقة الزوجة ونحو ذلك ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر، وتجهيز البنات بالنحل أشبه وقد يلحق بهذا والأشبه أن يقال في هذا أنه يكون بالمعروف فإن زاد على المعروف فهو من باب النحل ولو كان أحدهما محتاجا دون الآخر أنفق عليه قدر كفايته. وأما الزيادة فمن النحل. (26)

قال ابن عثيمين وهو يذكر الفرق بين حاجة الشاب للزواج في حال كونه يملك المال أن يزوج نفسه أو في حال لا يملك المال وجب على أبيه إعطاؤه حق الزواج كونه محتاجا :"إن كان الشاب عنده مال يكفيه لزواجه فهذا هو المطلوب أن يتزوج به، وإن لم يكن عنده مال وجب على أبيه أن يزوجه إذا كان قادراً على ذلك كما يجب عليه أن ينفق عليه طعاماً وشراباً وكسوةً وسكنا، ولا يحل لأحد أغناه الله -وبلغ أبناؤه سن النكاح، وطلبوا منه ذلك إما بأقوالهم الصريحة، وإما بأفعالهم الدالة على طلب النكاح- لا يحل له أن يمتنع، بل يجب عليه أن يزوجهم، فإن لم يفعل فهو آثم. (27)

________________

(1) المغني (5/666)

(2) انظر: كشاف القناع4/310، والإنصاف 7/138)

(3) (المغني 5/664 )

(4)( مجموع الفتاوى (31/295 ) .

(5) صحيح البخاري - (3/157)2586 -

(6)صحيح البخاري- طوق النجاة - (3/158)2587 -

(7) صحيح البخاري- طوق النجاة - (3/171)2650 –

(8) فتح الباري (5/214)

(9) (المغني 5/664).

(10) موطأ مالك - (4/1089)2783 - قال ابن حجر في الفتح (5/215)إسناده صحيح.

(11) (المغني 5/665) بتصرف.

(12) الفتح (5/215)

(13)كتاب العدل بين الأولاد ص22 بتصرف .

(14)إغاثة اللهفان (1/540)

(15) الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة(3/1115- 1116).

(16) فتاوى إسلامية (3 /30) الإسلام سؤال وجواب.

(17) الشرح الممتع (4/599).

(18) فتاوى الشيخ عبدالله بن عقيل - (2 / 263).

(19)فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى - (16/204)

(20) مجموع فتاوى ابن باز - (9/234)- (20/53)

(21) الشرح الممتع على زاد المستقنع - (11/81)

(22) مجموع فتاوى ابن باز - (6/377)

(23) الشرح الممتع على زاد المستقنع - (11/79).

(24) مجموع فتاوى ابن باز - (20/54).fiogf49gjkf0d

fiogf49gjkf0d
         أضف تعليق