المشرف العام

حيـاتنا قـيـم : القيم السياسية

الولاء والإنتماء للوطن
مقال مخططقصة
حب الوطن
fiogf49gjkf0d

حب الوطن

 

فريد محمد الأحمد،

خاص بيت القيم

 

أثر حب الوطن :

عندما غادرت وطني ( سوريا ) لأول مرة وأقلعت الطائرة من مطار دمشق الدولي ، فاضت عيني بالدمع ، بلا إرادة و لا شعور  ولم أجد  لذلك تفسيراً ، إلا ألم فراق  الأهل والقرابة والخلان ، والوطن رغم أني ما خرجت إلا لتحسين الوضع وكسب الرزق وبناء مستقبل الحياة . وقد قيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى أوطانها مشتاقة ، وإلى مولدها تواقة .

 

حب الوطن من الإيمان :

هكذا يقولون ، ونسب القول إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم – وهو لم يقله ، ولكن معناه صحيح ، عندما فوجئ الرسول - صلى الله عليه وسلم – بالوحي الإلهي ، وأصابه ما أصابه من الخوف ، وأراد أن يعرف سرّ ما رأى في غار حراء ، فذهب بصحبة زوجه خديجة رضي الله عنها ، إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، وكان نصرانياً ، كبير السن ، وعنده علم بالكتاب فقالت :    اسمَعْ مِنِ ابْنِ أخِيكَ ، فأخْبَرْتُهُ خَبِري، فَقالَ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسَى صلى اللّهُ عليهِ وسلَّمَ، لَيْتَنِي فِيها جَذَعٌ لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، قُلْتُ: أوَ مُخْرِجيَّ هُمْ ؟ قال: نَعَمْ ، إنَّهُ لَمْ يَجِىءْ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ، إلاَّ عُودِيَ، وَلَئِنْ أدْرَكَنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرا مُؤَزَّرا .

إن مفارقة الوطن أمر فطري حاصل للإنسان ، والنبي أجل وأعلى مقاما من الوقوف عنده ، ولكن الذي حرك نفسه ، وأثر في ذاته ما يكون من قومه من الإعراض ، والكفر ، وعدم الإيمان و الاهتداء إليه ، وتكذيبه بعد أن كان الرجل الأول مكانة ومقاماً في الصدق والأمانة بين شباب مكة المكرمة ، وكيف لا يحزن وهو قد خرج مكرهاً مجبراً ، بعد أن تآمروا على قتله ، والتخلص منه – عليه الصلاة والسلام - {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } الأنفال30 . 

وحقا كما أخبر ورقة بن نوفل قد وقع ، وبدأ التكذيب والتنكيل ،  لكل من استجاب لدعوة الحق وإعلان صيحة التوحيد ، وبدأت الهجرة ، ومغادرة أرض الوطن ، والأهل ، والعشيرة، والديار وأحب البقاع إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم – وفي ذلك درس عظيم يجب التنبه إليه ، وهو أن قداسة الدين فوق الأرض ،  والأهل ، والعشيرة ، وكل شيء ، لأن أمر الله مقدم على كل شيء .

ولما خرج ( الرسول صلى الله عليه وسلم ) من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة المنورة ،  فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة ، فتوقف وتوجه إلى الكعبة قائلاً : «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك» فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآنَ لَرَادُكَ إِلى مَعَادٍ }   القصص85   وعد من الله بأن محمداً سينتصر ويعود إلى مكة فاتحاً منتصراً ، وللأصنام محطماً ومكسراً .

 

حب الوطن قتال :

من علامات وأدلة حب الوطن الشوق والحنين إليه ، وذكره بخير ، والدفاع عنه ، وتأسفه عن تقصيره تجاهه ، وتذكر أهله وخلانه ، وقرابته وجيرانه ، وبيوته  وجدرانه .

 

 قال الأصمعي سمعت أعرابيا يقول : إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه  ، وشوقه إلى إخوانه  ، وبكاؤه على ما مضى من زمانه .

و قال الأصمعي قالت الهند : ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوان الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بعيدا ، والطير إلى وكره وإن كان موضعه مجدبا ، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر نفعا .

وحب النبي ظاهر لوطنه من خلال تعجبه واستغرابه من كلام ورقة بن نوفل- كما ذكرناه آنفاً -  بقوله : (( أو مخرجي هم )) ودموعه عند المفارقة لمكة وخطابه لها : «أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك »   ولكنه   امتثال أمر اللـه تعالى .

-         وقد وصل التعبير عن حب الوطن ، حب أكلات بلاده ، وحب شم ترابه ، وذكر أشجاره ، والتزود من مائه ، ولا غرابة في ذلك ،

والأمثلة من الواقع كثيرة تدل على ذلك :

  1 -  شهاب الدين أبو العباس بن غانم يحن إلى وطنه الذي اشتهر بأكلة الكروش فيقول :

أيها اللائمي لأكلي كروشاً                                        أتقنوها في غاية الإتقان

لا تلمني على الكروش فحبي                                       وطني من دلائل الإيمان

2- جاء فـي حديث أُصيـل الغفـاري أو (الهذلـي ) أنه قدم من مكة فسألته عائشة كيف تركت مكة يا أصيـل ؟ قال: تركتها حين ابـيضت أبـاطحها ، وأحجن ثمامها ، وأغدق إذخرها ، وابشر سلـمها ، فـاغرروقت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال : تشوقنا يا أصيـل. ويروى أنه قال له: دع القلوب تقر .

3 - قال الأُول :

ألا لـيت شعري هل أبـيتن لـيـلة               بوادي الـخزامى حيث ربتنـي أهلـي

بلاد بها نـيطت علـيَّ تـمائمي                وقطعن عنـي حين أدركنـي عقلـي

يتشوق للمبيت ولو لليلة واحدة في وادي الخزامى إنه أرضه وموطنه الذي نشأ عليه ، وترعرع في جنباته ، ولا ينسى ذكرى الصبا ، والتمائم التي كانت تعلق على صدره وهو صغير ، إلى أن يبلغ سن الرشد والعقل .

4- وصى يوسف عليه السلام أن يحمل تابوته إلى مقام آبائه ، فمنع أهل مصر أولياءه من ذلك ، فلما بعث موسى عليه السلام وأهلك فرعون حمل التابوت إلى مقابر آل يعقوب واسحاق ، فقبره معروف بأرض بيت المقدس بقرية تسمى حامي .

5- ووصى الإسكندر أن تحمل رمته في تابوت من ذهب إلى بلد الروم حباً لوطنه .

6- واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان أسيراً ، فقالت لـه بنت الملك وقد عشقته : ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة وشميماً من تراب اصطخر، فأتته بعد أيام بشربة من ماء ، وقبضة من تراب ، وقالت: هذا من ماء دجلة ، ومن تربة أرضك  فشرب واشتم التراب ، فزال عنه الوهم ، ففاق من علته.

7 – عندما أكون في قريتي ، وآكل من أرضي ، وأرض آبائي فأشعر بنكهة الطعام مختلفة عن غيرها ، بل عندما أسافر إلى غير أرض الوطن ، فاصطحب معي بعض الأطعمة ، إذ لا أجد طعماً خيراً منها ، لأنها من أرض الوطن  ، وصدق عمر رضي اللـه عنه عندما قال : عمر اللـه البلدان بحب الأوطان . وقيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟ فقال: كيف لا أشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها ، ورضيع غمامها  . أي ترعرعت عليه فكان منه الحنان ، وعلى خيراته نشأت حتى اكتمل مني البنيان .

 

جمال حب الوطن :

-  قال عمر بن الخطاب: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء . وبحب الأوطان عمرت البلدان .  

 

- يداوى المريض بعقاقير أرضه  كما قال الأولون

fiogf49gjkf0d
ومما يؤكد ذلك قول إعرابي وقد مرض بالحضر فقيل له : ما تشتهي ؟ فقال: مخيضاً روباً  ، وضباً مشوياً ..

-  فيه شعور بالعزة ، والكرامة ، والألفة  . قيل لإعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية، فقيل له  : وأين تسكن منها ؟

<  قال: مساقط الحمى حمى ضرية  لعمر الله ما أريد بها بدلاً ، ولا أبتغي عنها حولاً ، حفتها الفلوات ... ونحن بأرفه عيش ، وأوسع معيشة ، وأسبغ نعمة.فقيل له : وما طعامكم ؟ قال: بخ بخ الهبيد ، والضباب ، واليرابيع ، مع القنافذ ، والحيات وربما والله أكلنا القد ، واشتوينا الجلد ، فلا نعلم أحداً أخصب منا عيشاً  .

 

مساوئ الغربة عن الوطن :

-  تعرض الإنسان أحياناً للمذلة ، والهوان قيل لأعرابي: : فما الذل؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان . وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة والذلة قلة .

-   مر إياس بن معاوية بمكان، فقال: أسمع صوت كلب غريب ، فقيل لـه: بم عرفت ذلك ؟ قال: بخضوع صوته ، وشدة نباح غيره .

 

تعليق وبيان :

-         أمرنا  الله عزّ وجلّ بالتنقل  في مناكب الأرض للعمل ، وجلب الرزق ، والسفر في أقطارها ، والتردد  في أقاليمها وأرجائها لتحصيل  المكاسب ، و الأرزاق فقل سبحانه : {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }الملك15  فحب الوطن لا يمنع من البعد عنه لتحصيل أسباب الرزق ، والحياة ، وبالخصوص أن الأمر جاء من رب العالمين .

-  الغربة ، والبعد عن الوطن قد تكون سبيلاً لتحصيل العلوم والمعارف التي  لايحصلها الفرد في وطنه ، فأرى أن الغربة في هذه الحالة جالبة للخير ومحققة للنفع . قال بعض  حكماء الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالاً  ، غنمتم عقلاً كثيراً، وقيل: لا توحشنك الغربة إذا آنستك النعمة .

- والنبي صلى الله عليه وسلم ترك أرض الوطن من أجل دينه ، وأداء رسالته ، وإن كان الشوق والحنين إلى الوطن كان عنده ظاهراً جلياً ، لأن أمر الله مقدم على كل شيء . وصدق رفاعة الطهطاوي :

من أصل الفطرةِ للفطنِ                   بعد المولى حبُّ الوطنِ

الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث العامري الغزي

المراجع

طبقات الشافعيه الكبرى     ابن هداية الله المصنف

فوات الوفيات  ابن شاكر الدمشقي

الأعيان    لبن خلكان

التذكرة الحمدونية لابن حمدون

المستطرف في كل فن مستظرف  للأبشيهي

المحاسن والأضداد للجاحظ

المحاسن والمساوئ  لإبراهيم البيهقي