المشرف العام

حيـاتنا قـيـم : القيم الاقتصادية

الوقت
مقال تجاربمخططقصة
أهمية الوقت
fiogf49gjkf0d

الحمد لله رب العاليمن والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :

يقول المولى عز وجل: { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} ،يقسم الله في هذه السورة الكريمة بالعصر ليبين لنا أهمية الوقت لأن الله لا يقسم إلا بعظيم، أو لينبهنا على أهمية ما يقسم به، بل وتعددت الآيات التي تذكر الوقت لتزيد في تبيين أهميته، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ » أخرجه البخاري برقم(6412) .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أيضاً قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ :" اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ "المستدرك برقم وهو صحيح , فوقت الإنسان هو حياته وهو أغلى ما يملك وهو رأس ماله وعلى قدر استغلاله يكون ربحه يقول حسن البصري رحمه الله أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم ويقول أيضاً يا بن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يومك ذهب بعضك،

والحياة كما عبر عنها الشاعر العربي دقائق معدودة :

دَقَّاتُ   قَلْبِ   المَرْءِ   قَائِلَةٌ   لَهُ        إِنَّ    الحَيَاةَ     دَقَائِقٌ     وَثَوَانِ

فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا        فَالذِّكْرُ   لِلإِنْسَانِ   عُمْرٌ    ثَانِ

والإنسان العاقل من يغتنم هذه الدقائق والساعات قبل أن تمر، كما قال الشاعر:

إِذَا  هَبَّتْ  رِيَاحُكَ   فَاغْتَنِمْهَا        فَعُقْبَى  كُلِّ   خَافِقَةٍ   سُكُونُ

وَلا  تَغْفُلْ  عَنِ  الإِحْسَانِ  فِيهِ        فَلا تَدْرِي السُّكُونُ مَتَى يَكُونُ

أخي الحبيب كم يعيش الإنسان في الدنيا من الستين إلى السبعين والقليل من يتجاوز هذا العمر قال الرسول صلى الله عليه وسلم :(أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك). رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ورواه الترمذي وابن ماجه.

والمقصود من الحديث  أن أغلب أعمار هذه الأمة تتراوح بين ستين سنة إلى سبعين، والقليل من يتجاوز هذا العمر.

 أما الحياة الأخروية فليس لها نهاية ، فما مقدار زمن الحياة في الدنيا مقارنة إلى زمن الحياة في الآخرة ليس هناك مقارنة فالحياة الأخرى أبدية ، ولكن الحياة الدنيا هي التي تحدد مكانك في الآخرة فمن استغل أوقات هذه الفترة القصيرة في الدنيا بعمل الطاعات التي يحبها الله عز وجل وابتعد عن المعاصي وكل ما يغضب الله فإنه ينال أعلى الدرجات في الآخرة، وهذا من كرم الله عز وجل الذي يثيب على القليل الكثير، ولهذا جاءت الأحاديث تنبهنا على استغلال الأوقات بطاعة الله عز وجل حتى ننال رضا الله وحتى لا نندم على أوقاتنا في يوم لا ينفع فيه الندم قال النبي صلى الله عليه وسلم :( ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عز وجل فيها) رواه الطبراني والبيهقي ، ولقد حثنا ديننا العظيم على استغلال أوقاتنا وأننا سنسأل عنها فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس : عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم ؟ " . رواه الترمذي وقال : هذا حديث غريب وقال الألباني صحيح لشواهده.

وكان الرَّسول - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في حياتِه من أحرَص النَّاس على اغتنام كل لحظة من لحظاتِ وقْتِه لصالح الإسْلام والمسلمين، مهْما كانت الأوضاع قاسيةً وح

fiogf49gjkf0d
جة؛ ليعلِّم المسلمين اغتنام أوقاتِ عمرِهم المحدودة، ولا ينبغي التَّقصير في القيام بالواجبات حتَّى في أحْلك الأيَّام وأخطرها.

كما كان السلف الصالح من أحرص النَّاس على اغتِنام أوقاتِهم، فمن أقوالِهم المشْهورة في هذا الصَّدد: "الوقت كالسيف؛ إن لم تقْطَعْه قطَعَك"؛ أي: إن لم تقطعْه باستخدامِه بالعمل المبرور والسَّعْي المشكور، قطعك بالذُّلِّ والخُسْران والضياع والهوان.

 تزوَّد من التقوى فإنك لا تدري *** إن جنَّ ليلٌ هـل تعـيشُ إلى الفجــرِ

فكم من سليمٍ مات من غير عِلَّةٍ *** وكم من سقيمٍ عاش حِيناً من الدهرِ

وكم من فتىً يمسي ويصبح آمناً *** وقـد نُسجتْ أكفانُه وهـو لا يـدري

يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة الله "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته... . فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته".

عندما استغلت الأمة الإسلامية وقتها أنجزت ما لم تنجزه أي دولة ففي خلال عشرين سنة كونت دولة قوية وواجهت دولا عظمى كالفرس والروم ، والآن عندما تخلت وضيعت أوقاتها أصيبت بالذل والهوان وتولى عليها الأعداء، والغرب عندما أخذوا بالأسباب الكونية واستغلوا أوقاتهم وصلوا إلى هذا التطور الحضاري.

واعلم أخي الكريم أن جميع الناس متساوون في الأوقات ولكن الفرق بينهم في استغلالها ، والناجحون هم من استغلوا أوقاتهم وحققوا أهدافهم, فاحرص على وقتك وليكن لديك خطة واضحة لاستغلال يومك وليلتك تحقق فيها أهدافك الدنيوية والأخروية والتي تقربك إلى الله عز وجل, وأعد لهذه الأمة مجدها وحضارتها.