المشرف العام

حيـاتنا قـيـم : القيم الإيمانية

صلاة الفجر
مقال تجاربمخططقصة
مستحيل أن يكون ذلك مستحيلاً !!
fiogf49gjkf0d

مستحيل أن يكون ذلك مستحيلاً !!

د / راغب السرجاني .

يقول لي أحدهم: قد علمت ميعاد صلاة الصبح.. ولكن للأسف.. "يستحيل" عليّ الاستيقاظ في هذا الموعد.. أنت لا تعلم "ظروفي".. أنا طاقتي لا تسمح.. أنا ظروف عملي لا تمكنني.. أنا ظروف البيت والمعيشة لا تساعدني.. والله ـ كما تعلم ـ غفور رحيم، سيراعي ظروفي هذه.. ويغفر لي !!

قلت: أما قضية أن الله غفور رحيم فهذا كلام حق أريد به باطل.. وهذا من أوسع مداخل الشيطان.. فإن كان الله عز وجل يغفر لكل الناس، الصادق والكاذب، والمطيع والعاصي، والمحب لشرعه والكاره له.. إن كان الأمر كذلك ففيم العمل؟ ولماذا الاجتهاد؟ ولماذا يرهق المطيع لله نفسه، ويستيقظ في جوف الليل، وفي شدة البرد، وينزل إلى المسجد؟

إن الله عز وجل الغفور الرحيم يغفر لمن سعى للمغفرة من عباده.. فلا يكفي قول اللسان، ولكن لابد من عمل.. اقرأ وتدبر في قوله تعالى :"وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى".

ليس كل الناس يغفر لهم.. لابد من توبة صادقة، وإيمان عميق، وعمل صالح، وهداية إلى طريق الله عز وجل..

والله الغفور الرحيم كثيراً ما يقرن هذه الصفات بصفاته الأخرى التي تحمل معاني العقاب والجزاء والانتقام ممن خالفه وخالف شرعه..

"نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم"

فهذه إلى جوار تلك..  وبذلك تستقيم حياة الناس..

وأما أنه "يستحيل" في حق إنسان أن يستيقظ لصلاة الصبح في موعدها فهذا الكلام يحتاج إلى وقفة.. ووقفة هامة جداً..

يا أخي وأختي..

أنا لا أشك لحظة في أنه "يستحيل" أن يكون استيقاظك للصبح "مستحيلاً " !!

ولماذا هذا اليقين ؟!

تفكر معي :.

أولاً: يقول الله عز وجل في كتابه :"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"..

وهذه قاعدة أصيلة من قواعد الشرع.. هذا القانون وهذا الشرع ليس قانوناً وضعياً من وضع البشر فيحتمل فيه أن يكون مناسباً أو غير مناسب، ولكن هذا القانون من وضع رب العالمين سبحانه وتعالى، الذي خلق الإنسان ويعلم وسعه وطاقته علماً مطلقاً..

" ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"

فكل أحكام الشرع هي في مقدور البشر.. لا نشك في ذلك..

فلتسأل نفسك يا أخي ولتسأل نفسك يا أختي :

هل صلاة الصبح في هذا الوقت تكليف مفروض أم أنها ليست تكليفاً ولا فرضاً ؟ وهل هي مفروضة على كل المؤمنين أم أن هناك طوائف مستثناة؟!  والإجابة واضحة وهي أن صلاة الصبح فرض على كل المسلمين، وحيث أن المسلم يؤمن بعدل الله وبحكمته وبعلمه فإنه لا يستقيم لمسلم مؤمن بالله عز وجل أن يفترض أن قيامه لصلاة الصبح في موعدها أمر مستحيل..

هذه واحدة..

ثانياً: بعض المشاهدات الأمريكية..

المنظر الأول:. في زيارة لأمريكا وعند عودتي من صلاة الفجر بمسجد المدينة، ويكون ذلك في السادسة صباحاً تقريباً، كنت أجد الشوارع الرئيسية والطرق السريعة مزدحمة بالسيارات تماماً!.. تعجبت في أول الأمر، وبعد ذلك تعودت على هذا المنظر.. إنهم يستيقظون للذهاب إلى أعمالهم، وكثير منهم يعمل في أماكن بعيدة جداً عن بيته فيضطر إلى الاستيقاظ في الخامسة صباحاً ـ وقت صلاة الفجر ـ لكي يذهب إلى عمله في موعده..

كل هؤلاء البشر من نصارى ويهود وملاحدة (وهم كثر) يستيقظون لدنياهم في موعد صلاة الفجر.. لقد سمحت طاقتهم البشرية بهذا الاستيقاظ.. فلماذا لا تسمح طاقة المؤمنين بمثل هذا الاستيقاظ المبكر ؟!

المنظر الثاني: حضرت مؤتمراً طبياً كبيراً في أحد المدن الأمريكية، وفوجئت بأن جلسات المؤتمر تبدأ في السادسة صباحاً !!!

نعم ـ والله ـ يا إخواني!..

الجلسة الأولى كانت في السادسة صباحاً، ولما كانت صلاة الفجر في هذه الأيام متأخرة نسبياً، فقد انتهيت من الصلاة في الساعة السادسة والربع تقريباً، فذهبت إلى المؤتمر في ذلك التوقيت..

وكنت على يقين وأنا في طريقي إلى هناك أنني سأجد القاعة الكبيرة التي تشهد الجلسة الأولى خاوية على عروشها.. فمن ذا الذي سيأتي في هذا الوقت المبكر جداً جداً لحضور جلسة علمية، ووصلت إلى القاعة وفوجئت بما لم أكن أتخيله !! فقد كانت القاعة مليئة عن آخرها ـ وهي تسع حوالي ثلاثة آلاف شخص ـ وبالكاد وجدت مكاناً في آخر القاعة، وجلست استمع وأنا في دهشة.. كيف استطاع هؤلاء القوم أن يكيفوا حياتهم بالصورة التي تمكنهم من حضور جلسة علمية - اختيارية وليست إجبارية - في السادسة صباحاً ؟! ولماذا لا يستطيع كثير من المسلمين تكييف حياتهم لحضور صلاة - إجبارية وليست اختيارية - في نفس هذا الموعد ؟

ويوم يستطيع المسلمون أن يجيبوا على هذه الأسئلة يوم أن يكتب لهم التمكين في الأرض إن شاء الله !!!

المنظر الثالث: منظر أكثر درامية وأشد تأثيراً !!

كثيراً ما كنت أجد رجالاً أمريكيين ونساءً أمريكيات في الشوارع وأنا في طريقي إلى صلاة الفجر !! وأقول: وأنا "ذاهب" وليس وأنا "عائد"!.. بمعنى أنهم كانوا يستيقظون قبل ميعاد الفجر لغرض هام جداً في حياتهم !!

ما هذا الغرض الهام الذي من أجله استيقظ الأمريكي أو الأمريكية قبل الخامسة صباحاً، ولبس ملابسه، وخرج في الجو البارد جداً جداً إلى شوارع المدينة ؟

إنهم … … … يفسحون "كلابهم" في الهواء النقي !!!!!

يستيقظ الأمريكي أو الأمريكية في الساعة الرابعة والنصف فجراً، لأن قلبه - أو قلبها - يتفطر على الكلب الذي يبقى محبوساً في البيت طيلة اليوم !! فيستيقظ في هذا الوقت المبكر جداً، ليستطيع الكلب أن يشم الهواء النظيف في الشارع !!

وأرجو منك أخي الفاضل أن تحل معي هذه المسألة المعقدة: الأمريكي ـ نصرانياً كان أو يهودياً أو ملحداً ـ يستيقظ فجراً من أجل "الكلب"، وبعض المسلمين، أو كثير من المسلمين، أو إن شئت فقل: "معظم" المسلمين لا يستيقظون من أجل "الله" عز وجل !!!

بالله عليك كيف يكون حل هذه المسألة ؟!!

كيف يمكن أن يكون حب "الكلب" دافعاً "لصاحبه" للاستيقاظ ؟

وكيف لا يمكن أن بكون حب "الله" عز وجل دافعاً "للعبد" للاستيقاظ ؟!

الإمكانيات البشرية البدنية تسمح بالقيام.. لكن الإمكانيات القلبية عند أولئك الذين لا يستيقظون تعاني من فقر شديد !!

نسأل الله السلامة !!

ثالثاً:. فلنترك المشاهدات الأمريكية ودعونا نتجول في بعض المشاهدات في داخلك وداخلي وداخل كل مسلم..

المنظر الأول: أنت مسافر إلى الإسكندرية أو إلى أسوان أو إلى لندن أو إلى باريس.. عندك موعد في القطار أو في الطائرة الساعة السادسة صباحاً.. هل إمكانياتك البشرية تسمح لك بأن تصل إلى القطار أو الطائرة في الموعد،  أو أن إمكانياتك البشرية لا تسمح ؟!

هل الوصول إلى المحطة أو إلى المطار في هذا الموعد المبكر يدخل في حدود "الوسع" أما أن "الوسع" لا يسمح بذلك ؟!

المنظر الثاني: أنت تعمل في مكان بعيد عن منزلك والعمل يبدأ في السابعة صباحاً..

هل تستطيع أن تستيقظ مبكراً في موعد الفجر أو قبله للذهاب إلى عملك ؟ أم أنك ستعتذر كل يوم لرئيسك في العمل أن ظروفك لا تسمح بالحضور مبكراً، أو أن إمكانياتك البشرية ضعيفة ؟

لماذا لا نستطيع الاعتذار لرؤسائنا من البشر، ونستطيع كل يوم أن نعتذر "لله" عز وجل الذي خلقنا وخلق رؤساءنا ؟!

المنظر الثالث: منظر افتراضي تخيلي !!

تخيل لو أن رجلاً من أغنياء القوم وعدك بأنه سيعطيك ألفاً من الجنيهات كل يوم في الساعة الخامسة صباحاً إذا أتيت له في هذا الموعد.. أكنت تذهب؟ أم كنت تعلل بأنك نمت متأخراً، أو أنك مرتبط بموعد بعد ذلك فلا تستطيع القدوم ؟

تخيل أنك ذهبت إليه بالفعل وأخذت الألف جنيه يومياً، وظللت على هذه الحالة سنة كاملة، فإنك تكون قد حصلت على 365 ألف جنيه.. أليس كذلك ؟

ثم تحيل بعد ذلك أنه قد جاءك الموت بعد نهاية هذه السنة – وهو أمر وارد طبعاً حتى قبل انقضاء السنة - تخيل نفسك وأنت ذاهب إلى قبرك محمولاً..

تخيل نفسك في هذا المقام، وأجب على هذا التساؤل بصدق :

أتود أنك تدخل قبرك ومعك 365 ألف جنيه، وليست معك صلاة فجر واحدة ؟fiogf49gjkf0d:p>

أم أن الأفضل أن تدخل قبرك ومعك 365 صلاة فجر، وليس معك جنيهاً واحداً ؟

أجب بصدق !!

أيهما يبقى وينفع ؟

كيف تفسر قيام الناس لجمع المال وعدم قيامهم لجمع الحسنات ؟

أهو شك في الموت؟ أم شك في البعث؟ أم شك في الله عز وجل؟!

وإن لم يكن هناك شك في كل ذلك فكيف تفسر استهتار كثير من المسلمين بالموت مع علمهم بقدومه بغتة، وكيف تفسر استهتارهم بالله عز وجل مع علمهم بمراقبته لهم وقدرته عليهم ؟!

تساؤلات حائرة في ذهني..

أجبني عليها.. يا من لا تستيقظ لصلاة الفجر ؟!

المنظر الرابع : منظر درامي

لو أن زوجتك أو والدتك أيقظتك في الرابعة صباحاً وهي تصرخ :"لقد شبت النيران في منزل جيراننا" !!

أجبني بصدق:

هل كنت تقفز مسرعاً من فراشك، وترتدي ملابسك - أو حتى لا ترتديها - وتجري أنت والعائلة إلى خارج البيت؟! أم كنت ستقول للزوجة أو الوالدة: اتركيني أنام.. أنا مرهق، لقد نمت متأخراً، وعندي أعمال كثيرة بالصباح، وإن شاء الله ستطفئ النار وحدها؟!!

أجب بصدق!..

أيهما أشد تخويفاً : نار في بيت الجيران أم نار الجحيم يوم القيامة ؟!!

أيهما أشد إيلاماً : نار الدنيا أم نار الآخرة..

لماذا هذا التراخي الشديد مع نار الآخرة مع علمنا أنها حق، وأنها لا تطفئ؟  ولماذا هذه الرهبة من نار الدنيا على تفاهتها إذا قورنت بنار الآخرة؟!

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم" قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها".

وروى مسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة" وفي رواية ابن ماجه فهي كالليل المظلم!!

فلتعلم يا أخي في الله ويا أختي في الله أن الذي يحرص على صلاة الصبح سيكتب الله عز وجل له ضماناً من دخول نار الآخرة !!

اقرأ بقلبك هذا الحديث :.روى مسلم عن عمارة بن روينة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ـ يعني الفجر والعصر"..

بعد هذا الاستعراض لإمكانيات البشر ولوسع البشر ولطاقة البشر، أعتقد أنه من "المستحيل" أن نجد من يقول أنه من "المستحيل" عليّ أن أستيقظ لصلاة الفجر.. إنما الأمر يعود إلى "الإرادة".. هل تريد أم لا تريد؟!

واحذر أخي في الله واحذري أختي في الله.. إن تمر عليكم الأيام والشهور والسنون ثم تكتشفون أن أياماً غالية قد مرت.. فحتى إن كتب الله لك عمراً حتى تتوب وترجع إليه.. فكيف ستعيد تلك الأيام التي مرت؟

احذر من يوم ترغب فيه الذهاب إلى المسجد فلا تستطيع إما لضعف أو مرض أو موت.. وتذكر دائماً حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم والذي رواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال:

"اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"..

وفقني الله وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كتاب "كيف تحافظ على صلاة الفجر؟!"